
موريتانيا أمام مشهد سياسي معقد: رئيس سابق في السجن وغياب مبادرات المصالحة يثير التساؤلات
تعيش موريتانيا منذ سنوات على وقع ملف سياسي يعد من أكثر الملفات إثارة للجدل في تاريخها الحديث، يتمثل في قضية الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز، الذي يقضي عقوبة سجنية وسط حديث متواصل عن وضعه الصحي، في وقت يلاحظ فيه غياب أي مبادرة سياسية أو اجتماعية بارزة تهدف إلى رأب الصدع بين الرئيس الحالي محمد ولد الشيخ الغزواني وسلفه.
وعلى امتداد تاريخ الدولة الموريتانية منذ الاستقلال، شهدت البلاد عدة انقلابات عسكرية كان قادتها يبررون تحركاتهم بضرورات إنقاذ الوطن وتصحيح المسار السياسي والاقتصادي. وفي أغلب تلك المحطات، كان الرؤساء الذين أُطيح بهم يواجهون الإقامة الجبرية أو السجن لفترات متفاوتة، قبل أن يتم الإفراج عنهم لاحقًا مهما كانت طبيعة الاتهامات الموجهة إليهم.
لكن المشهد اختلف بعد مغادرة الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز للسلطة سنة 2019، عندما سلم الحكم إلى رفيقه ورفيق دربه محمد ولد الشيخ الغزواني في انتقال سلمي للسلطة لاقى إشادة واسعة داخل البلاد وخارجها. وقد اعتُبرت تلك الخطوة آنذاك نموذجًا نادرًا في المنطقة العربية والإفريقية، حيث أشادت بها وسائل إعلام دولية وعدد من المراقبين باعتبارها تجربة ديمقراطية تستحق التقدير والاقتداء.
غير أن العلاقة بين الرجلين لم تلبث أن دخلت مرحلة من التوتر السياسي، انتهت بفتح ما عرف لاحقًا بـ”ملف العشرية”، وهو الملف الذي شمل التحقيق في تسيير فترة حكم الرئيس السابق وما ارتبط بها من شبهات فساد وسوء تسيير للمال العام.
ومنذ انطلاق التحقيقات، شملت الإجراءات عددًا من الوزراء والمسؤولين الذين عملوا خلال فترة حكم ولد عبد العزيز، إلا أن المتابعين للملف يلاحظون أن التركيز الأكبر بقي منصبًا على الرئيس السابق، وهو ما دفع بعض أنصاره إلى اعتبار القضية استهدافًا سياسيًا أكثر منها محاسبة شاملة لمن شملتهم التحقيقات في البداية، بينما يرى الطرف الآخر أن ما جرى يدخل في إطار مكافحة الفساد وتطبيق القانون على الجميع دون استثناء.
وفي خضم هذا الجدل، يبرز سؤال يطرحه كثير من المراقبين: لماذا غابت مبادرات الوساطة والمصالحة بين الرئيسين؟ فحتى الآن لم تظهر مبادرة وطنية مؤثرة يقودها علماء أو شخصيات سياسية أو وجهاء قبليون بهدف تقريب وجهات النظر وإنهاء حالة القطيعة التي ألقت بظلالها على المشهد السياسي الوطني.
ويعتبر البعض أن غياب مثل هذه المبادرات يعكس تراجع الدور التقليدي للنخب السياسية والدينية والاجتماعية التي كانت تلعب في السابق دورًا محوريًا في احتواء الأزمات الوطنية وتخفيف حدة الخلافات بين مراكز النفوذ في الدولة. كما يرى آخرون أن الساحة الوطنية فقدت خلال السنوات الأخيرة عددًا من الشخصيات ذات التأثير الكبير التي كانت تحظى باحترام مختلف الأطراف وتمتلك القدرة على إطلاق مبادرات توافقية تلقى القبول والاستجابة.
وفي المقابل، يعتقد مراقبون أن وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت تلعب دورًا متزايدًا في تشكيل الرأي العام والتأثير على النقاشات السياسية، وهو ما أدى أحيانًا إلى تصاعد الاستقطاب وتراجع المساحات التقليدية للحوار الهادئ والوساطة الوطنية.
ومهما اختلفت المواقف بشأن ملف الرئيس السابق، فإن كثيرين يجمعون على أن الاستقرار السياسي وتعزيز الوحدة الوطنية يظلان هدفين أساسيين يتطلبان توسيع دائرة الحوار بين مختلف الفاعلين السياسيين والاجتماعيين، والبحث عن صيغ تضمن معالجة الخلافات في إطار يحافظ على مؤسسات الدولة ويعزز الثقة بين مكوناتها.
ويبقى السؤال مطروحًا: هل ستشهد المرحلة المقبلة مبادرة وطنية جادة تسهم في تخفيف التوتر السياسي وفتح صفحة جديدة من الحوار بين مختلف الأطراف، أم أن هذا الملف سيظل أحد أبرز عناوين الجدل السياسي في موريتانيا خلال السنوات الماضيةًً و القادمة .
أخبار الوطن ً تحرير الصحفي آبيه محمد لفضل