
نادراً ما أعلّق على المنشورات في وسائل التواصل الاجتماعي، وربما يعرفني الجميع بأنني منذ صغري بعيد كل البعد عن السياسة، ولم يكن توجهي يوماً مرتبطاً بها، بل كان رزقي ومساري دائماً في عالم الأعمال والاستثمار. كما أنني صنعت نفسي بنفسي، ولم أعتمد في حياتي على علاقات شخصية أو على اسم عائلتي، وكل من يعرفني عن قرب يعلم جيداً صدق هذا الكلام.
لكن هذه المرة وجدت نفسي معنيّاً بالتعبير، ليس من باب السياسة ولا من باب المجاملة العائلية، وإنما من باب قول كلمة حق في رجل عرفته أولاً أباً قبل أن يعرفه الآخرون دبلوماسياً ومسؤولاً.
كان والدي دائماً يتمنى أن أكون إطاراً وأن ألتحق بالوظيفة العمومية، إيماناً منه بقيمة خدمة الوطن والانضباط والمسؤولية، لكن لكل إنسان مساره واختياراته.
وللتذكير فقط، لم أعلّق قط على الحملة التي شُنّت عليه أيام كان سفيراً في بغداد، إثر المقابلة التلفزيونية التي تحدث فيها آنذاك عن الناتج المحلي الخام. وقد تمسّك بما صرّح به آنذاك عن قناعة وحسن نية، مستنداً إلى مصدر المعلومة الذي نشره بنفسه على صفحته بكل وضوح وشفافية.
يومها فوجئت حقيقةً بحجم التعليقات السطحية والانتقادات المتسرعة التي عكست، مع الأسف، ميلاً متزايداً إلى النقد السلبي قبل الفهم أو البحث أو التثبت من الموضوع.
للأسف، أصبح من السهل إطلاق الأحكام والتعليقات المحرّضة أو الساخرة دون إحاطة حقيقية بالمحتوى أو بالسياق، وكأن النقد غاية في حد ذاته. وهذا طبع لا يليق بشعب يعتز بالأدب والدين وقيم الاحترام.
علينا جميعاً أن نراجع هذه الثقافة؛ فلا عيب في أن يجهل الإنسان أمراً ما، فليس منا من يحيط بكل العلوم والمعارف. العيب فقط أن نحكم قبل أن نفهم، أو ننتقد قبل أن نتعلم.
التعلم المستمر يزيد من الثقة بالنفس، ويقلل من عقدة المقارنة بالآخرين، كما يعزز قدرتنا على الحوار الراقي والنقد الإيجابي البنّاء، وهو ما نحتاجه أكثر من أي وقت مضى.
بعيداً عن رابطة الأبوة، أقولها بكل صدق: كنت محظوظاً جداً بأن أتربى على يد رجل كانت مبادئه قبل مناصبه، وكانت نزاهته وصدقه وانضباطه جزءاً من تربيتنا اليومية قبل أن تكون شهادة الآخرين فيه.
طوال مساره الدبلوماسي، لم يكن بالنسبة لنا مجرد أب يشغل منصباً، بل مدرسة في الالتزام واحترام الناس وخدمة الوطن بضمير. وهذه في نظري أعظم المناصب وأبقاها.
نعم، أفخر بك أباً، وأفخر أكثر بالقيم التي غرستها فينا. الله يحفظك.
نقلا عنً صفحةًًً
شيخنا سيداتي الشيخ ولد احمد عيشة صاحب الشهادة في حق والده السفير السابق في العراق سيداتي ولد الشيخ احمد عيشة