مناقصة المحروقات.. ما الذي تغيّر في نظام التموين؟

أطلقت لجنة الإشراف على مسار اختيار مورد المحروقات مناقصة دولية جديدة لتموين السوق الوطنية بالبنزين والكيروسين والغازوال والفيول، في خطوة تعيد رسم عدد من قواعد منظومة الإمداد، من طريقة التعاقد والتسليم إلى النقل والتخزين وإدارة المخزون الاستراتيجي.

وتبدأ العقود الجديدة في الثالث من ديسمبر 2026 لمدة ستة أشهر، فيما حُدد 15 أكتوبر المقبل موعدا نهائيا لاستقبال عروض الشركات الراغبة في المنافسة.

وبحسب وثيقة حول التحسينات التي أُدخلت على المناقصة، اطلعت عليها “الصحراء”، فإن الصيغة الجديدة لا تقتصر على اختيار مورد للمحروقات، وإنما تقوم على إعادة توزيع الأدوار داخل سلسلة التموين، بما يسمح بفصل التوريد عن النقل البحري الساحلي، وفتح خيارات أوسع أمام الموردين الدوليين، إلى جانب منح السلطات الوطنية دورا أكبر في إدارة المخزون الاستراتيجي.

فصل التوريد عن النقل

أبرز التحولات في المناقصة الجديدة يتمثل في التخلي عن الجمع بين توريد المنتجات البترولية والنقل البحري الساحلي ضمن التزام واحد.

وترى وثيقة التحسينات أن الجمع بين النشاطين كان يفرض متطلبات إضافية على بعض كبار الموردين الدوليين، خصوصا الشركات المتخصصة في تجارة المنتجات النفطية والتي لا تتوفر بالضرورة على إمكانات النقل الساحلي أو الترتيبات التشغيلية المرتبطة به.

وبموجب الصيغة الجديدة، أصبحت العملية موزعة على عقدين مستقلين؛ الأول يتعلق بتوريد المحروقات، والثاني بالنقل البحري الساحلي للمنتجات السائلة من نواذيبو إلى المنطقة الجنوبية عبر ميناء نواكشوط.

وقد أطلقت لهذا الغرض مناقصة مستقلة لاختيار الناقل البحري، على أن تمتد مدة العقدين للفترة نفسها، ابتداء من الثالث من ديسمبر المقبل، فيما حُدد الخامس من أكتوبر موعدا نهائيا لتقديم عروض النقل.

وتسمح هذه المقاربة لشركات تجارة وتوريد النفط بالمنافسة على عقد التموين دون إلزامها بتولي النقل الساحلي، بينما يتولى هذه المهمة ناقل متخصص يمتلك السفن والخبرة الفنية المطلوبة.

خيارات أوسع في التسليم

التعديل الثاني يرتبط بطريقة تسليم المنتجات، حيث تتيح المناقصة للموردين الاختيار بين نظام نقل الملكية في الخزان (ITT) ونظام التسليم في الموقع (DAP)، مع إمكانية تقديم عرض وفق كل صيغة.

ويستهدف هذا التغيير، وفق وثيقة التحسينات، تخفيف بعض الأعباء المالية والتشغيلية المرتبطة بالنظام السابق، والذي كان يفرض على المورد ارتباطا أكبر بالمخزون المادي داخل البلاد.

أما خيار DAP فيفصل بدرجة أكبر بين مسؤولية المورد عن توفير المحروقات وإيصالها وبين وظيفة التخزين داخل البلاد، بما يفتح المجال أمام شركات لا ترغب في تحمل الالتزامات المرتبطة بإدارة مخزون محلي.

كما تتجه الصيغة الجديدة إلى توحيد مواصفات المنتجات المستوردة وفقا للمعايير الدولية، مع التركيز على المنتجات القياسية المتداولة على نطاق واسع في الأسواق العالمية، بما يفترض أن يوسع قاعدة الموردين المحتملين ويمنح عملية التموين مرونة أكبر.

من مخزون المورد إلى مخزون الدولة

لكن التحول الأبرز لا يتعلق بطريقة التعاقد فقط، بل بمسؤولية إدارة الاحتياطي الاستراتيجي.

فبحسب وثيقة التحسينات، تتجه المنظومة الجديدة إلى تحويل المخزون الأمني تدريجيا إلى مخزون وطني يقع تحت مسؤولية ورقابة السلطات المختصة، بدلا من إبقائه مرتبطا بالمورد التجاري.

ويقوم هذا التوجه على الفصل بين وظيفتين مختلفتين: الأولى تجارية تتمثل في توفير المحروقات للسوق، ويمكن إسنادها إلى مورد دولي عبر مناقصة؛ والثانية مرتبطة بالأمن الطاقوي، تتمثل في الاحتفاظ باحتياطي استراتيجي يمكن للدولة التحكم فيه واستخدامه عند الحاجة.

ومن شأن هذا الفصل أن يمنح السلطات هامشا أوسع في التعامل مع أزمات الإمداد أو اضطرابات الأسواق الدولية أو الصعوبات اللوجستية الناتجة عن الأزمات الجيوسياسية، دون أن يكون الاحتياطي الوطني مرتبطا بصورة مباشرة بالتزامات المورد التجاري.

ويتزامن ذلك مع توسع قدرات التخزين في نواكشوط. وكانت اللجنة الوطنية للمحروقات قد أعلنت أن الطاقة التخزينية القائمة في العاصمة تبلغ نحو 60 ألف طن، مع مشروعين إضافيين بسعتي 23 ألفا و100 ألف طن، وهو ما سيرفع القدرة الإجمالية، بعد اكتمالهما، إلى نحو 183 ألف طن.

صيغة مختلفة عن مناقصة 2023

وتكشف مقارنة المناقصة الجديدة بصيغة 2023 عن اختلاف واضح في طريقة تنظيم المنظومة.

ففي سبتمبر 2023، طرحت لجنة الإشراف مناقصة جمعت بين توريد المحروقات وإنشاء منشآت تخزين جديدة بسعة 100 ألف متر مكعب في نواكشوط، وحددت مدة العقد آنذاك بسنتين، ابتداء من الثالث من ديسمبر 2023.

أما الصيغة الحالية فتوزع الوظائف على نحو أكثر وضوحا: مورد يتولى التموين، وناقل بحري يتولى النقل الساحلي، فيما تتجه الدولة إلى تعزيز سيطرتها على المخزون الاستراتيجي.

وبذلك تنتقل المنظومة تدريجيا من نموذج يجمع عددا من الالتزامات في يد المورد إلى نموذج أكثر تفكيكا، يسمح بالتعاقد مع شركات متخصصة في كل حلقة من حلقات سلسلة الإمداد.

ستة أشهر لاختبار النموذج الجديد

ومن اللافت أيضا أن مدة العقد الجديد لا تتجاوز ستة أشهر، مقارنة بعامين في المناقصة التي أطلقت سنة 2023.

وتربط وثيقة التحسينات هذه المدة القصيرة بالحاجة إلى الحفاظ على المرونة في ظل تقلب أسعار المنتجات النفطية، وتغير تكاليف الشحن وتوفر الإمدادات، إضافة إلى المخاطر الجيوسياسية التي تؤثر على أسواق الطاقة العالمية.

كما تتيح الفترة المحدودة اختبار الترتيبات الجديدة عمليا، خصوصا مع دخول قدرات تخزين إضافية في نواكشوط مرحلة التشغيل، قبل الانتقال إلى ترتيبات تعاقدية أطول أجلا.

وبالتالي، فإن المناقصة الحالية تبدو أقرب إلى اختبار لنموذج جديد في تموين السوق الوطنية، يقوم على توسيع المنافسة الدولية، وفصل التوريد عن النقل الساحلي، وتقليص ارتباط المورد بعمليات التخزين، مقابل تعزيز دور الدولة في إدارة الاحتياطي الاستراتيجي.

وفي المحصلة، لا يتعلق التغيير بمجرد اختيار مورد جديد للمحروقات، بل بإعادة توزيع المسؤوليات داخل منظومة التموين نفسها، في محاولة لتحقيق معادلة تجمع بين ضمان استمرارية الإمدادات، وخفض الكلفة، وتوسيع المنافسة، وتعزيز التحكم الوطني في الاحتياطي الاستراتيجي.

التعليقات مغلقة.

M .. * جميع الحقوق محفوظة لـ موقع أخبار الوطن 0

%d مدونون معجبون بهذه: