
كثيرًا ما كانت الغيرة على وطني تعتمل في نفسي كلما حضرت مؤتمرًا علميًا دوليًا، ورأيت أسماء لخبراء ينتمون، في الغالب، إلى دول محدودة العدد، بينما يظل الحضور العربي، والموريتاني على وجه الخصوص، دون ما تسمح به كفاءاتنا وقدرات أطرنا.
وكنت، وأنا أستعرض في ذاكرتي أسماء خيرة أبناء بلدي في مختلف مجالات المعرفة، أشعر بأن لدينا من الطاقات ما يؤهلنا لأن نكون في مواقع أكثر تقدمًا وتأثيرًا. ولعل العلوم الاجتماعية، بما تمنحه من أدوات لفهم الإنسان والمجتمع وإدارة المؤسسات وصناعة القرار، تظل من أهم المجالات التي تصنع قادة الدول والمنظمات؛ إذ لا يمكن لمن يتولى دفة القيادة أن يستغني عن معينها، وإن كان عليه أن يأخذ من سائر العلوم بطرف.
غير أن تلك الغيرة التي طالما خَبَتْ وأضرمتها مشاهد التفاوت في الحضور والتمثيل، وجدت هذه الأيام ما يطفئ نارها ويبعث في النفس بدلها شعورًا عميقًا بالفخر والاعتزاز.
فقد غمرتني، بالأمس، فرحة مولد خير البرية، صلوات الله وسلامه عليه، وكان للعيد هذه المرة وقع خاص في نفسي. ولم أجدني، في تلك المناسبة، مشاطرًا المتنبي قوله:
«عيدٌ بأيّة حالٍ عُدتَ يا عيدُ
بما مضى أم بأمرٍ فيكَ تجديدُ»
فقد جاء العيد يحمل معه من بشائر التجديد ما يبعث على التفاؤل، خاصة وأنا أعيشه في مدينة كرو، بين خضرة اكتست بها الأرض، ونخيل باسق يشنّف حفيفه الآذان في وادٍ خصيب، في مشهد يعيد إلى النفس صلتها بالأرض والوطن والجمال.
ثم جاءت البشرى الأكبر، حين تابعت أخي وصديقي، صاحب السعادة السيد إسماعيل ولد الشيخ أحمد، وهو يقف على منصة الخطاب ليلقي كلمته، بعد أن انتُخب بالإجماع من طرف سبع وخمسين دولة إسلامية، أمينًا عامًا لمنظمة التعاون الإسلامي.
هناك، تحديدًا، شعرت بأن جذوة الغيرة التي كانت تتقد في نفسي قد خبت، لتحل محلها مشاعر الفخر والاعتزاز.
إن انتخاب شخصية موريتانية بهذا الإجماع، وعلى رأس منظمة بهذا الحجم والمكانة، ليس مجرد نجاح شخصي للسيد إسماعيل ولد الشيخ أحمد، وإنما هو نجاح للكفاءة الموريتانية، وشهادة جديدة على أن أبناء هذا الوطن قادرون، متى أتيحت لهم الفرصة، على الوصول إلى أرفع مواقع المسؤولية الدولية.
وقد تابعنا خلال السنوات الماضية المسار المهني للسيد إسماعيل ولد الشيخ أحمد، وما راكمه من خبرة واسعة في العمل الدولي، وما أتيح له من احتكاك بمؤسسات ومنظمات دولية، فضلًا عن قدرته المعروفة على بناء العلاقات والتواصل مع مختلف الأطراف وصناع القرار.
ولا شك أن فخامة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني قد لعب دورًا مهمًا في إنجاح هذا المسعى، بما يمتلكه من قدرة على نسج علاقات قوية ومؤثرة ومثمرة مع قادة الدول وصناع القرار.
وقد أثمرت هذه الجهود، في أكثر من مناسبة، عن وصول عدد من خيرة أطرنا الوطنية إلى مواقع متقدمة في مؤسسات دولية مرموقة، وهو ما يؤكد أن الدبلوماسية الشخصية، حين تسندها الكفاءة الوطنية، يمكن أن تفتح أبوابًا واسعة أمام موريتانيا وأبنائها.
وإن ما تحقق اليوم في منظمة التعاون الإسلامي يستحق منا أن نتوقف عنده طويلًا؛ فالمنظمة تمثل إحدى أهم المنظمات الدولية والإقليمية، وتحتل مكانة بارزة في العالم الإسلامي، وهو ما يجعل تولي أمانتها العامة مكسبًا دبلوماسيًا وسياسيًا مهمًا لبلادنا.
ومن هذه الزاوية، فإن انتخاب السيد إسماعيل ولد الشيخ أحمد لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره شأنًا فرديًا فحسب، بل بوصفه اعترافًا بالكفاءة الموريتانية، وبقدرة أبنائنا على تحمل المسؤوليات الكبرى متى توفرت لهم الظروف والفرص.
ولعل الأجمل في هذه المناسبة أن النجاح جاء ثمرة تلاقٍ بين الكفاءة والخبرة من جهة، والدبلوماسية والعلاقات الدولية من جهة أخرى.
وقد قيل:
«يا باريَ القوسِ بَرْيًا ليس يُحسِنُهُ
لا تَظلِمِ القوسَ أعطِ القوسَ باريها»
وما أحوجنا، في موريتانيا، إلى أن نؤمن بهذه القاعدة: أن نعطي القوس لباريها، وأن نضع الكفاءة في المكان الذي تستحقه، وأن نفتح أمام أطرنا الوطنية أبواب المنافسة على مواقع المسؤولية، بعيدًا عن الحسابات الضيقة، حتى يستطيع الوطن أن يستفيد من أبنائه، ويستطيع أبناؤه أن يقدموا لوطنهم وللعالم ما اختزنوه من علم وخبرة وتجربة.
فهنيئًا لفخامة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني بهذا النجاح الدبلوماسي، وهنيئًا للسيد إسماعيل ولد الشيخ أحمد بهذا الاستحقاق الدولي، وهنيئًا لموريتانيا بهذا الموقع الذي يضاف إلى رصيدها في الساحة الدولية.
أما أنا، فقد وجدت في هذا الإنجاز ما يطفئ في نفسي نار الغيرة القديمة، ويستبدل بها شعورًا أعمق وأجمل: شعور الفخر بأن للكفاءة الموريتانية مكانًا في الصفوف الأولى، وأن الطريق إلى الشأو الكبير مفتوح أمام أبنائنا متى أُعطيت لهم الفرصة.
فمبارك لموريتانيا، ومبارك للكفاءة حين تنتصر.