رسالة مؤثرة كتبتها بنت الجنرال المتقاعد الموقوف فطمة بنت لبات ولد معيوف

رسالة مؤثرة كتبتها بنت الجنرال المتقاعد الموقوف فطمة بنت لبات ولد معيوف

ما ذنب أبي..؟ / فاطمة لبات معيوف

ما ذنب أبي؟
هذا هو السؤال الذي يطرق قلبي هذه الليلة، وأنا أحاول أن أفهم كيف يمكن لرجلٍ أفنى عمره في خدمة وطنه، ثم خرج من خدمته نظيف اليد، مرفوع الرأس، أن يجد نفسه اليوم بعيدًا عن بيته، في معتقلٍ عسكري، لأنّه قال ما يراه حقًا، ورفض أن يصمت أمام ما يؤلمه في وطنه.
أبي رجلٌ متقاعد.
لكن تقاعده كان من الوظيفة، لا من الوطن.
أنهى سنوات خدمته العسكرية، وحمل معه إلى بيته ما هو أثمن من الرتبة والأوسمة: سمعة رجلٍ عاش شريفًا، ولم يجعل من موقعه بابًا إلى المال الحرام، ولا من نفوذه طريقًا إلى الفساد.
لم يكن من أولئك الذين أثروا من الدولة ثم تركوها مثقلةً بجراحها.
لم يكن من الذين جعلوا الوطن غنيمة، والمناصب مطايا، والمواطنين أرقامًا في دفاتر السلطة.
كان رجلًا من جيلٍ تعلم أن الوظيفة أمانة، وأن الرتبة مسؤولية، وأن الوطن ليس ملكًا للحاكم ولا للحكومة، وإنما هو ملكٌ لأبنائه جميعًا.
ولذلك، حين تقاعد، لم يستطع أن يتقاعد قلبه.
ظل يرى وطنه بعين الرجل الذي خدمه.
وظل يتألم حين يرى حاله يتدهور.
كان يستطيع أن يصمت.
وهذه هي النقطة التي ينبغي أن نتوقف عندها طويلًا.
كان يستطيع أن يصمت.
كان يستطيع أن يقول: لقد أديت خدمتي، وانتهت مسؤوليتي.
كان يستطيع أن يغلق بابه، ويعيش ما تبقى من عمره في هدوء، بعيدًا عن وجع السياسة، وعن غضب السلطة، وعن ثمن الكلمة.
وكان يعرف أن للكلمة ثمنًا.
لم يكن ساذجًا.
لم يكن يجهل ما يمكن أن تفعله السلطة بمن يخرج عن صمتها.
كان يرى حوله كثيرين يختارون السكوت.
يرى الخوف في العيون.
ويرى الناس يبتلعون كلماتهم قبل أن تصل إلى شفاههم.
يعرف أن هناك من يقول في المجالس ما لا يجرؤ على قوله أمام أصحاب القرار.
يعرف أن الخوف قد يجعل الإنسان يرى الظلم، ثم يتظاهر بأنه لم يره.
ومع ذلك…
تكلم.
تكلم لأنه أحب وطنه أكثر مما أحب راحته.
وتكلم لأنه لم يحتمل أن يرى بلده يسير في طريقٍ يؤلمه ثم يصفق له.
وتكلم لأنه آمن أن السكوت، في بعض اللحظات، ليس حيادًا.
بل موقف.
وقد قال مارتن لوثر كينغ: «يبدأ الإنسان بالموت حين يصمت عن الأشياء المهمة.»
وأبي لم يختر أن يعيش صامتًا.
اختار أن يقول كلمته.
وكان يعرف أن من يقول كلمة الحق في زمن الخوف قد يدفع ثمنها وحده.
ومع ذلك قالها.
ما ذنبه؟
هل ذنبه أنه لم يسرق؟
هل ذنبه أنه لم يختلس؟
هل ذنبه أنه لم يستغل سنوات خدمته لمصلحة نفسه؟
هل ذنبه أنه لم يجعل من منصبه سلمًا إلى الثراء؟
هل ذنبه أنه بعد تقاعده أراد أن يعيش بقية عمره وهو مطمئن إلى أن وطنه يسير في الطريق الصحيح؟
هل ذنبه أنه أحب بلده إلى الحد الذي جعله يتألم من جراحها؟
إن كان هذا ذنبًا، فليكن.
لكن أي وطنٍ يريد أن يعاقب أبناءه لأنهم أحبوه؟
أي وطنٍ يخاف من رجلٍ متقاعد لم يحمل في يده إلا كلمة؟
أي وطنٍ يصبح فيه الصادق أكثر إثارةً للخوف من الفاسد؟
إن المشكلة ليست في الرجل الذي يقول: «هذا خطأ».
المشكلة في اللحظة التي يصبح فيها قول «هذا خطأ» جريمة.
كان أبي يستطيع أن يبحث عن سلامته الشخصية.
لكن بعض الرجال لا يستطيعون أن يشتروا سلامتهم من كرامتهم.
كان يستطيع أن يقول:
«دعوني وشأني.»
لكنه لم يفعل.
كان يستطيع أن يقول:
«أنا متقاعد، وما يحدث لا يعنيني.»
لكنه لم يفعل.
كان يستطيع أن يقول:
«ليحافظ كل إنسان على نفسه.»
لكنه لم يفعل.
لأن في داخله شيئًا أكبر من الخوف.
كان فيه وطن.
وما أقسى أن يحب الإنسان وطنه في زمنٍ لا يريد منه إلا الصمت.
قال أبو القاسم الشابي:
إذا الشعبُ يومًا أراد الحياة
فلا بد أن يستجيب القدر
وليس المقصود بالحياة هنا مجرد التنفس، وإنما حياة الإنسان بكرامته، وصوته، وحقه في أن يقول إن الخطأ خطأ، والظلم ظلم، والفساد فساد.
وأبي لم يطلب لنفسه قصرًا.
لم يطلب مالًا.
لم يطلب منصبًا
لم يطلب امتيازًا.
طلب فقط أن يكون لوطنه مستقبلٌ أفضل.
فهل يكون حب الوطن جريمة؟
هذه الليلة، أبي ليس في بيته.
جاءت سيارتان من الدرك إلى منزلنا، واقتادته معهما.
والآن يقضي ليلته في معتقلٍ عسكري.
ولا نعرف ماذا سيحدث غدًا.
وهذا هو الجزء الأكثر قسوة.
أن تنام العائلة وفي قلبها سؤالٌ لا جواب له:
ماذا سيحدث لأبي؟
لكنني، رغم خوفي، لا أريد أن أكتب عنه بوصفه ضحيةً فقط.
أريد أن أكتب عنه بوصفه رجلًا اختار موقفه وهو يعرف ثمنه.
فذلك أكثر ما يؤلمني فيه، وأكثر ما يجعلني فخورةً به.
أبي لم يقل كلمته لأنه كان يظن أن السلطة ستصفق له.
قالها وهو يعرف أن التصفيق قد لا يأتي.
ولم يتكلم لأنه كان ينتظر منصبًا.
تكلم وهو متقاعد.
ولم يفعل ذلك طلبًا لشهرة.
بل لأنه لم يستطع أن يرى وطنه يتألم ثم يدفن رأسه في الرمل.
وهنا، يا أبي، أفهمك أكثر من أي وقت مضى.
أنت لم تكن تبحث عن معركة.
كنت تبحث عن وطن
يقول الإمام علي:
«لا تستوحشوا طريق الحق لقلة سالكيه.»
ولعل هذه الجملة تختصر حكاية أبي كلها.
فطريق الحق ليس دائمًا مزدحمًا.
أحيانًا يكون الرجل فيه وحده.
وأحيانًا ينظر حوله فلا يجد إلا الصمت.
لكن قلة السائرين في الطريق لا تجعل الطريق خطأ.
بل ربما تكون علامةً على شجاعة من اختار السير فيه.
لقد اختار كثيرون الصمت.
ولا ألوم الخائفين؛ فالخوف إنساني، والسلطة حين تكون قاسية تجعل الكلمة مخاطرة.
لكنني أتساءل:
ماذا يبقى للوطن إذا أصبح كل الشرفاء صامتين؟
ماذا يبقى للحق إذا قال كل إنسان: «ليس دوري»؟
ماذا يبقى للأجيال القادمة إذا ورثت منا وطنًا يعرف الجميع عيوبه، لكن لا أحد يجرؤ على الحديث عنها؟
كان أبي يعرف هذه الحقيقة.
ولهذا تكلم.
يا أبي…
إن كنتَ هذه الليلة بعيدًا عنا، فأريدك أن تعرف شيئًا.
لا تجعل خوفنا عليك يجعلك تندم على صدقك.
نحن خائفون لأننا نحبك.
نحن ننتظر لأنك غالٍ علينا.
كلما فكرت في ما حدث، ازددت يقينًا بأنني ابنة رجلٍ اختار أن يبقى نفسه حتى عندما كان يستطيع أن يختار الصمت.
قال المتنبي:
الرأيُ قبل شجاعةِ الشجعانِ
هو أولٌ وهي المحلُّ الثاني
وأنت عرفت رأيك، وعرفت موقفك، ثم تحملت مسؤولية ما قلت.
ولذلك، مهما كان الغد، سيبقى لك شيء لا تستطيع أي سلطة أن تنتزعه:
احترامك لنفسك.
قد يستطيعون أن يستدعوا رجلًا.
قد يستطيعون أن يأخذوه من أمام بيته.
قد يستطيعون أن يجعلوا ليلةً طويلةً تمر على عائلته في القلق.
لكنهم لا يستطيعون أن يغيروا حقيقة السنوات التي عاشها.
ولا يستطيعون أن يجعلوا الشريف فاسدًا، ولا الصادق كاذبًا، ولا محب الوطن عدوًا لوطنه بمجرد أن يختلف مع السلطة.
فالسلطة شيء.
والوطن شيء آخر.
وأبي أحب الوطن.
ومن حق الوطن على أبنائه أن يحبوه حتى حين يختلفون مع من يحكمونه.

ربما يسأل البعض:
لماذا لم يصمت؟
وأجيب:
لأن بعض الرجال إذا صمتوا خسروا أنفسهم.
وربما يقول آخرون:
لماذا خاطر وهو متقاعد؟
وأجيب:
لأن الشرف لا يتقاعد.
والوطن لا يُحال إلى التقاعد.
والضمير لا يوقّع قرار نهاية الخدمة.
وربما يقول أحدهم:
كان عليه أن يخاف.
وأقول:
نعم، كان يعرف الخوف.
لكن الشجاعة ليست ألا تخاف.
الشجاعة أن تعرف ما تخافه، ثم تختار رغم ذلك أن تقول ما تؤمن به.
وهذا ما فعله أبي.

يا أبي…
نعرف أنك لم تكن من الذين أفسدوا الوطن ثم اختبأوا خلف المناصب
حين يسألون:
ما ذنب هذا الرجل؟
لن أبحث عن إجابة طويلة.
سأقول:
ذنبه أنه أحب وطنه أكثر مما أحب صمته.
ذنبه أنه قال كلمةً حين كان الصمت أكثر أمانًا.
ذنبه أنه ظل شريفًا في زمنٍ كان يستطيع فيه أن يكون فاسدًا وينجو.
ذنبه أنه رأى وطنه يتألم، فلم يستطع أن يتظاهر بأنه لا يرى.
وإذا كان هذا ذنبًا…
فيا ليت الأوطان تعرف كيف تكرّم أصحاب هذا «الذنب»، بدل أن تخاف منهم.
هذه الليلة أبي في المعتقل.
لكن كلمته ليست هناك.
كلمته في قلوب من سمعوها.
وفي ضمائر من يعرفون أن الوطن لا يبنيه الخائفون وحدهم.
والتاريخ، مهما تأخر، يعرف دائمًا الفرق بين من صمت لأنه لم يرَ، ومن صمت لأنه خاف، ومن تكلم لأنه لم يستطع أن يخون ضميره.
وأبي اختار أن يتكلم.
فليكن الغد ما يكون.
أما أنا، ابنته، فسأظل أقولها دون خوف:
أبي لم يخن وطنه حين قال الحقيقة؛ كان، في تلك اللحظة بالذات، أكثر وفاءً له من أولئك الذين طلبوا منه أن يصمت.

التعليقات مغلقة.

M .. * جميع الحقوق محفوظة لـ موقع أخبار الوطن 0

%d مدونون معجبون بهذه: