
قال الصحفي الرياضي الحسين ولد التراد إن تطوير الدوري الموريتاني لكرة القدم يتطلب الانتقال من مجرد تنظيم بطولة موسمية إلى بناء مشروع رياضي متكامل يمتد لسنوات، ويشمل الأندية والبنية التحتية والاستثمار والرعاية والتسويق وتكوين اللاعبين.
وأوضح ولد التراد، خلال مقابلة مع قناة TTV ضمن نشرتها التحليلية، أن تقييم الموسم الرياضي الماضي والطموحات المرتبطة بالموسم الجديد 2026-2027 ينبغي أن ينطلق من قدرة الاتحاد الموريتاني لكرة القدم على تطوير الدوري الوطني بصورة شاملة، مشيرًا إلى أن رفع قيمة الجوائز وتوسيع استخدام التقنيات الحديثة، كما حدث مع إدخال تقنية حكم الفيديو المساعد «VAR»، يمكن أن يشكلا جزءًا من هذا التطوير.
وأكد أن اعتماد أنظمة مثل «TMS» و«FIFA Connect» في تسيير اللاعبين وانتقالاتهم يمثل إجراءات تنظيمية معمولًا بها في مختلف الاتحادات والدوريات، وبالتالي فإن القيمة الحقيقية للتحديث تكمن في توسيع استخدام التكنولوجيا لخدمة المنافسة، سواء في التحكيم أو تحليل المباريات أو تقييم أداء الفرق واللاعبين.
وأشار إلى أن الاستفادة من التقنيات الحديثة يمكن أن تساعد الدوري الموريتاني على الاقتراب من التجارب الموجودة في دوريات مثل المغرب والجزائر وتونس، معتبرًا أن تطوير المسابقة لا ينبغي أن يقتصر على الجوانب التنظيمية، بل يجب أن يشمل كذلك أدوات تحليل الأداء والمتابعة الفنية والتسويق الرياضي.
وأشاد ولد التراد بقدرة الاتحاد الموريتاني لكرة القدم على ضمان انتظام المسابقات وفترات التسجيل والانتقالات، مشيرًا إلى أن الدوري ينتظم بصورة سنوية، إلى جانب تنظيم مسابقات أخرى مثل كأس السوبر والدرجة الثانية.
واعتبر أن عدم تسجيل انسحابات للأندية خلال الموسم يمثل نقطة إيجابية، لكنه شدد على أن انتظام البطولة لا يعني بالضرورة وصول الأندية إلى مستوى الاستقرار المالي والإداري المطلوب.
وأوضح أن الأندية الموريتانية لا تزال بعيدة عن امتلاك مشاريع استثمارية ورياضية كبيرة كتلك الموجودة لدى عدد من الأندية الكبرى في تونس ومصر والجزائر، مؤكدًا أن تطوير كرة القدم المحلية يحتاج إلى أندية تمتلك رؤية طويلة الأمد، وليس فرقًا تعمل من موسم إلى آخر.
وقال ولد التراد إن نقص ملاعب التدريب والمنشآت الرياضية يمثل أحد أبرز العوائق أمام تطور الأندية، مشددًا على ضرورة أن يمتلك كل نادٍ ملعبًا مناسبًا ومنشأة تدريبية خاصة به.
وأشار إلى أن استمرار اعتماد الأندية على ملاعب محدودة يؤدي أحيانًا إلى مشاكل في برمجة التدريبات، حيث قد يضطر أحد الفرق إلى انتظار انتهاء تدريبات فريق آخر، خصوصًا عندما تكون هناك مباراة مبرمجة في اليوم التالي.
واعتبر أن معالجة هذه الإشكالات تتطلب تعاونًا بين الاتحاد الموريتاني لكرة القدم والدولة ووزارة الرياضة والجهات الوصية والأندية، مؤكدًا أن البنية التحتية يجب أن تكون جزءًا أساسيًا من أي مشروع مستقبلي لتطوير كرة القدم الوطنية.
وفي حديثه عن سوق الانتقالات، رأى ولد التراد أن تعاقدات الأندية الموريتانية لا تزال محدودة من الناحية المالية والاستثمارية، مقارنة بما يحدث في الدوريات الأكثر تطورًا.
وأوضح أن انتقال اللاعب في البطولات المتقدمة لم يعد مجرد صفقة فنية، وإنما أصبح مشروعًا اقتصاديًا وتسويقيًا يمكن أن يحقق للنادي عوائد من حقوق التسويق وبيع القمصان واستقطاب الجماهير والرعاة.
وأشار إلى أن قيمة الصفقات والرواتب في الدوري الموريتاني لا تزال متواضعة، موضحًا أن بعض التعاقدات لا تتجاوز مئات آلاف الأوقية، بينما قد يصل أعلى راتب، وفق المعطيات التي ذكرها، إلى نحو 500 ألف أوقية، في حين يحصل لاعبون آخرون على رواتب تتراوح بين 60 و100 ألف أوقية.
وأضاف أن أكبر الصفقات في السوق المحلية لا تزال في حدود مليون أوقية، مع وجود حالات محدودة قد تتجاوز هذا الرقم، معتبرًا أن محدودية الموارد المالية تعكس ضعفًا في سوق كرة القدم المحلية وتحد من قدرة الأندية على بناء مشاريع مستدامة.
وفي ما يتعلق بالرعاية التجارية، قال ولد التراد إن الاتحاد الموريتاني لكرة القدم استفاد خلال السنوات الماضية من رعاية بعض الشركات، إلا أن تلك الشراكات لم تستمر خلال السنوات الأخيرة.
وأشار إلى أن الدوري الوطني يعاني حاليًا من ضعف الحضور التجاري، معتبرًا أن غياب الرعاة يمثل تحديًا حقيقيًا أمام تطوير البطولة وتحويلها إلى منتج رياضي قادر على جذب المستثمرين.
وأكد أن استقطاب الشركات يحتاج إلى تقديم الدوري بصورة مختلفة، من خلال رفع مستوى المنافسة، وتحسين الحضور الجماهيري، وتطوير التغطية الإعلامية، وتعزيز التسويق الرقمي، بما يمنح الشركات حوافز حقيقية للاستثمار في البطولة.
ويرى ولد التراد أن التغطية الإعلامية للدوري الموريتاني لا تزال محدودة، وهو ما يجعل من الصعب بناء جمهور منتظم للبطولة أو خلق قيمة تجارية حقيقية حولها.
وأوضح أن التغطية تعتمد بدرجة كبيرة على ما يوفره الاتحاد الموريتاني لكرة القدم، مع وجود عدد محدود من المنصات الإعلامية التي تعمل بصورة مستقلة، معتبرًا أن الكرة الموريتانية بحاجة إلى منظومة إعلامية أوسع وأكثر احترافية.
وشدد على أهمية الاستثمار في المحتوى الرقمي، وإنتاج مواد إعلامية متنوعة حول المباريات واللاعبين والأندية، والاستفادة من وسائل التواصل الاجتماعي لبناء قاعدة جماهيرية أوسع وربط الجمهور بالبطولة على مدار الموسم.
وخلص ولد التراد إلى أن تطوير الدوري الموريتاني لا يمكن أن يتحقق من خلال تحسين جانب واحد فقط، مؤكدًا أن المرحلة المقبلة تتطلب مشروعًا متكاملًا يربط بين التنظيم والبنية التحتية والاستثمار وتطوير الأندية والتكوين والرعاية والتسويق والإعلام.
وأكد أن انتظام البطولة يمثل خطوة مهمة، لكنه لا ينبغي أن يكون الهدف النهائي، داعيًا إلى الانتقال نحو بناء أندية قوية تمتلك موارد مستقرة وأكاديميات ومرافق تدريب ومشاريع اقتصادية ورياضية واضحة.
واعتبر أن امتلاك رؤية طويلة الأمد سيتيح للدوري الموريتاني تحسين مستواه محليًا وتعزيز قدرته على المنافسة قاريا، بما يواكب الطموحات المتزايدة لكرة القدم الموريتانية.