
حين تتصدر صفحات «سي وصيكه» و«أكماش» و«الحافظ ولد لوبد» و«ماريزز ازويرات» المشهد.. هل كبر الإعلام البديل على أخلاق مجتمعنا؟
منذ سبع سنوات، لم تكن الدولة تولي اهتمامًا كبيرًا بمواقع التواصل الاجتماعي، بل كانت تنظر إليها باعتبارها فضاءً تنتشر فيه مظاهر الجهل والوقاحة، حتى إن الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز وصف، في إحدى خرجاته، بعض مرتادي هذه المنصات بأنهم أشخاص يدرجون صورة قط أو فأر ثم يصبحون يتحدثون عن الشأن العام.
وقد سخر ولد عبد العزيز من هذه الظاهرة وقلل من تأثيرها في مراكز صناعة القرار، معتبرًا أن مواقع التواصل الاجتماعي كانت من أكبر معاقل الجهل وانحلال الأخلاق، ولا يمكن أن تكون مصدرًا موثوقًا للأخبار أو وسيلة لتوجيه المجتمع، بحجة أن كثيرًا من أصحاب الصفحات يفتقدون الأهلية والتأهيل اللازم.
كان ذلك هو نهج العشرية السابقة، حيث لم تكن مواقع التواصل الاجتماعي تحظى آنذاك بالتأثير الذي تتمتع به اليوم، وكانت في نظر كثيرين مجرد سيل من الأصوات المتناقضة التي تموج في فضاء مفتوح أمام كل من هب ودب.
لكن مع وصول نظام الرئيس محمد ولد الغزواني إلى السلطة، تغيرت المعادلة بشكل كبير. فقد أقنعت مجموعة من أصحاب المصالح وبعض المسؤولين والإداريين، بحسب منتقدين، دوائر صنع القرار بأهمية ما ينشر على هذا الفضاء، حتى أصبح لكل مسؤول تقريبًا صفحة أو مجموعة من الصفحات التي تتولى الترويج له والدفاع عنه.
وفي كثير من الحالات، أصبح من يقف وراء هذه الصفحات يفتقد الحد الأدنى من التأهيل العلمي والثقافي، فيما انتهج بعضهم سياسة شراء المتابعين الوهميين، بهدف إقناع المسؤولين بأن أعدادًا كبيرة من المواطنين معجبة بهذا المسؤول أو ذاك، وأن ما ينشر عنه يحظى بتأييد شعبي واسع.
وهكذا انتقلت مواقع التواصل الاجتماعي، التي كانت تُنظر إليها سابقًا باعتبارها فضاءً للفوضى والجدل، إلى التأثير في بعض مراكز صناعة القرار، واختلط فيها الغث بالسمين، وأصبحت التفاهة في بعض الأحيان قادرة على صناعة صورة عامة لمسؤول أو شخصية، بل والتأثير في طريقة تعاطي المؤسسات معها.
والأكثر إثارة للقلق أن هذه الظاهرة لم تعد مقتصرة على صفحات مجهولة، وإنما أصبح بعض الوزراء والمسؤولين يستضيفون أشخاصًا يطلق عليهم وصف «المؤثرين»، رغم أن بعضهم لا يمتلك، في نظر منتقديه، مؤهلات إعلامية أو معرفية تبرر منحه هذه الصفة.
ومن المؤسف أن يتحول بعض هؤلاء إلى نماذج أمام الأجيال الجديدة، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بأشخاص يمتهنون الاستعراض والتسول الرقمي، ويقدمون محتوى يفتقد إلى الحد الأدنى من المسؤولية الأخلاقية والاجتماعية.
والأكثر خطورة أن بعض الأسر أصبحت تتابع هذا النوع من المحتوى أمام أطفالها، دون إدراك أن بعض السلوكيات التي يتم تقديمها على أنها ترفيه أو شهرة قد تتحول إلى نماذج سلوكية يتأثر بها الأطفال والمراهقون.
كما برزت أسماء أخرى تتعمد استخدام لغة تتجاوز حدود النقد إلى الوقاحة والإساءة، ثم تنتقل من هذا الخطاب إلى زيارة شخصيات عامة وتقديم الهدايا لها، في مشهد يعكس حجم التناقض الذي أصبح يطبع جزءًا من المشهد الرقمي.
«مدونو المهجر».. ظاهرة أخرى
إلى جانب ذلك، ظهرت خلال السنوات الأخيرة ظاهرة ما يعرف بـ«مدوني المهجر»، حيث ينشط بعض الأشخاص من خارج البلاد في نشر معلومات واتهامات وأخبار عن موريتانيا، دون تقديم أدلة كافية على صحة ما ينشرونه.
وفي المقابل، تلجأ بعض الجهات الرسمية إلى الرد على هؤلاء عبر بيانات رسمية، رغم أن بعضهم لا يحمل أي صفة قانونية أو إعلامية تخوله، وفق منتقدين، تقديم نفسه باعتباره مصدرًا للأخبار أو ممثلًا للرأي العام.
وإذا كانت الدولة جادة فعلًا في مواجهة ما تعتبره تضليلًا وتشويهًا للحقائق، فإن الحل لا ينبغي أن يكون في الدخول في سجالات يومية مع أصحاب الصفحات، وإنما في بناء منظومة إعلامية ومهنية قوية، وتطبيق القانون على الجميع دون انتقائية، مع تعزيز الشفافية وحق الجمهور في الوصول إلى المعلومة الصحيحة.
فمواقع التواصل الاجتماعي أصبحت واقعًا لا يمكن تجاهله، ولا يمكن مواجهتها بمنطق المنع أو الإقصاء، بل بالوعي، والقانون، والإعلام المهني، وتقديم المعلومة الموثوقة في الوقت المناسب.
أما ترك المجال مفتوحًا أمام التفاهة والإشاعات وشراء المتابعين، ثم منح أصحابها صفة «المؤثرين» واستقبالهم رسميًا، فهو ما قد يؤدي إلى قلب المعادلة، بحيث يصبح من يملك أكبر عدد من المتابعين ــ ولو كانوا وهميين ــ أكثر قدرة على التأثير من الصحفي المهني أو المثقف أو صاحب الخبرة.
إن المشكلة ليست في مواقع التواصل الاجتماعي نفسها، وإنما في الطريقة التي يتم بها التعامل معها، وفي غياب معايير واضحة تميز بين الصحفي والمدون وصانع المحتوى والمؤثر، وبين من يمارس النقد المشروع ومن يحول الفضاء الرقمي إلى منصة للإساءة والتشهير ونشر الأخبار الكاذبة.
ولذلك، فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل أصبح الإعلام البديل أكبر من أخلاق مجتمعنا، أم أن المجتمع نفسه هو الذي سمح للتفاهة بأن تتصدر المشهد ؟
أخبار الوطن
تحرير الصحفي آبيه محمد لفضل