المنكب البرزخي… التاريخ المخفي وصناعة الأنساب قراءة تحليلية

:
محمد عبد الرحمن ولد عبد الله

صحفي إجتماعي وحقوقي
medabd388@gmail

 

● مقدمة:
بين الرواية والوثيقة

يشكّل موضوع الأنساب في موريتانيا — أو ما كان يسمى قديمًا بـ المنكب البرزخي — واحدا من أكثر الملفات التاريخية تعقيدا وتشابكا. فمعظم ما يتداول اليوم من نسبٍ عربي أو حسني أو هاشمي أو صنهاجي، يعتمد على روايات شفهية متأخرة لا تسندها مخطوطات موثوقة- في كثير من الأحيان-
ولا دلائل أركيولوجية كافية. وقد عبر العلامة والقطب الأبرز الشيخ محمد المامي بدقة نادرة عن طبيعة هذا الفضاء حين سمّاه “المنكب البرزخي”، أي منطقة انتقال وتحول، حيث تختلط المسارات ويضيع اليقين!

بين دفاتر التاريخ الضائعة، وقرون مجهولة لم تحفظها الكتابة، نشأت سرديات نسبية مرنة، تعيد كل جماعة تشكيل نفسها وفق حاجاتها السياسية والاجتماعية والرمزية. وهنا تكمن أهمية إعادة فحص التاريخ، بعيدا عن القداسة الوهمية التي أُضفيت عليه من طرف البعض.، وبمنهجية علمية تفكك الظاهرة وتعيد تركيبها.

أولًا: خريطة زمنية للهجرات في المنكب البرزخي

تاريخ موريتانيا هو تاريخ تدافع للهجرات أكثر منه تاريخ “سكان أصليين” بحدود واضحة. ويمكن تلخيص المسار الزمني للهجرات الكبرى كما يلي:

1. الهجرات الزنجية الأولى (قبل الميلاد حتي القرن السابع الميلادي)
تشكلت في الشمال الموريتاني مجموعات صنهاجية مبكرة، ذات امتداد أمازيغي–صحراوي.
تداخلت هذه المجموعات مع موجات من شعوب السافانا جنوبا، في فضاء مفتوح بلا حدود سياسية أو اجتماعية .

2. تشكل الصنهاجة الكبرى
(القرون 4–10 م)
برزت الكتامة واللمتونة ومسوفة وجدالة كقوة مهيمنة.
وكان الطابع الثقافي–اللغوي أمازيغيا خالصا، مع وجود رواسب حامية وسودانية.

● ملاحظة تاريخية مهمة:
لا توجد أي دلال مكتوبة تشير إلى وجود عرب في المنكب قبل القرن الحادي عشر. الميلادي .

3. هجرة المرابطين
(القرن 11 م)
تحركت القبائل الصنهاجية بقيادة الأمير يوسف بن تاشفين لتأسيس دولة المرابطين منطلقة من وسط وشمال البلاد.
أدى ذلك لفراغات سكانية أعادت تشكيل مراكز القوة في موريتانيا بحيث
بقيت الصبغة الأمازيغية هي الطاغية على المجتمع.

4. دخول العرب: الحركة الهلالية (القرون 12–14 م)
هنا يبدأ التحوّل الجذري:

دخول المجموعات العربية من بني معقل والحسن والأشراف.
تفاعلها التدريجي مع المجموعات الأمازيغية.
▪︎ تحوّل لغوي وثقافي طويل استمر ثلاثة قرون قبل أن يتحول المنكب إلى فضاء عربي اللسان.
5. القرون المظلمة (15–18 م)
وهي الفترة التي يصفها المؤرخون بأنها:

“الزمن المفقود من تاريخ المنكب البرزخي”.

لم تدون خلالها سجلات ثابتة، وانتشرت الحروب الداخلية، وظهرت “السيبة” والغزو والنهب، مما أدى إلى:

● إعادة تركيب الهويات القبلية،
– ظهور ” شرفاء ” ومجموعات
– عربية “جديدة”،
– اختفاء قبائل أخرى.
– إعادة تشكل قبائل مختلطة.
هذه الفترة تمثل المختبر الحقيقي لصناعة الأنساب.

6. المرحلة القبلية الكلاسيكية (القرون 18–20)
استقرت التركيبة الاجتماعية المعروفة اليوم:

▪︎ الشرفاء
▪︎ الزوايا
▪︎ المحاربون
▪︎ طبقة الفنانين
▪︎ طبقة الصيادين
▪︎الصناع التقليديون
▪︎ طبقة الرعاة
▪︎ طبقة الأرقاء
▪︎ المجموعات الزنجية، والبافورية،والإفريقية

وتبلورت روايات النسب — بما فيها الانتساب للدوحة الشريفة — كشكل من أشكال “التسليح الرمزي”.

ثانيًا: لماذا تضخم الانتساب للدوحة الشريفة؟!
يمكن تفسير الظاهرة عبر ثلاثة مستويات متشابكة:

1. عوامل خارجية: الامتيازات الدينية والاقتصادية
▪︎ كان للشرفاء في المغرب والأندلس والمشرق مكانة سياسية ودينية تؤهلهم لمنحٍ مالية.
▪︎ وجود أوقاف خاصة بالشرفاء في الحرمين شجع موجات من الادعاء بالنسب لطلب الامتياز.
▪︎ كان ذلك في زمن لا يملك فيه الناس وثائق، ولا سلطات قادرة على التحقيق. في الأمر اوالتثبت ممايجري ،وبالتالي:

من إعلان الشرف يبدأ الامتياز…
لا من إثباته!!

2. عوامل داخلية:
▪︎ صناعة الردع ومنح الحصانة

في مجتمع تحكمه الغزوات،ويسود فيه العنف ، وتحل المشاكل بالقوة، كان الانتساب للدوحة الشريفة:

درعًا يحمي من الاعتداء،
و“رأسمالًا رمزيًا” يوفر الاحترام،
وطريقة لكسر سطوة القبائل المحاربة.واصحاب النفوذ.
على سبيل المثال:

كان من يُعرف بأنه “شريف” يستثنى كثيرا من الغزو أو السبي.

3. العامل النفسي–الثقافي: سيكولوجيا الهروب من الأصل الأمازيغي
ترسخت — بفعل قرون من التفاعل الثقافي — نظرة دونية للانتماء للوسط الأمازيغي المحلي، مما ولد رغبة جماعية في “القفز فوق الأصل”، عبر الادعاء بالعروبة أو الشرف.

هذه الظاهرة تعرف في علم النفس الاجتماعي باسم:
“الترقية الرمزية
( Promotion Simbolique )

حيث يسعى الفرد أو القبيلة للانتماء إلى أصل “أعلى مكانة” لتجاوز واقعها.

ثالثًا: سيكولوجيا الشرف في المجتمع الموريتاني
1. الشرف كعملة اجتماعية
في مجتمع البداوة، حيث:

▪︎ لا دولة،
▪︎ لا قانون،
▪︎ لا مؤسسات،
▪︎ لا نظام
في نظام البقاء للأقوي ،تحول الشرف إلى عملة التبادل في العلاقات الاجتماعية والسياسية.

2. الشرف كوسيلة للردع
يدخل هنا دور “الشرف الشريف”:

▪︎ يمنع الاعتداء،
▪︎ يرفع المقام،
▪︎ يخلق هيبة معنوية.
ولهذا كان كثيرون يبحثون عن نسب يمنحهم هذه الحصانة وكأن هذا خيارهم الوحيد!!

3. الشرف كتعويض نفسي
القبيلة التي فقدت نفوذا، أو تعرضت للهزيمة، قد تبحث عن “شرف” أعلى لتستعيد مكانتها الرمزية في المجتمع ،وخلق رمزية جديدة كضرورة للقفز علي الواقع!!
وهكذا يصبح الشرف ميكانيزم دفاعيا ضد الشعور بالنقص أو الهامشية والدونية.

● خلاصة التحقيق
ليس من مهمتنا اليوم نفي أو إثبات، أنساب عمرها قرون، لكن من واجبنا ككتاب وباحثين:

▪︎ تحليل العوامل التي صنعتها،
▪︎ كشف الفراغات الزمنية التي سمحت بانتشارها،
▪︎ قراءة الهجرات التي أعادت تشكيل هذا الفضاء.
المنكب البرزخي لم يكن يوما أرض نسب ثابت، ولا حياة مستقرة،
بل معبرا لتفاعل الهويات.واختلاط المجتمعات .
أما الانتساب إلى الدوحة الشريفة — في معظمه — فكان نتيجة لسياقات سياسية ونفسية واقتصادية واجتماعية ، لا لتاريخ موثوق ومؤكد..

وما لم يفتح نقاش جاد وهادف،حول هذا الملف بجرأة علمية، سيظل التاريخ محكوما بسرديات عاطفية محفوظة، لا بوثائق ثابتة يمكن الإعتماد عليها .

التعليقات مغلقة.

M .. * جميع الحقوق محفوظة لـ موقع أخبار الوطن 0

%d مدونون معجبون بهذه: