
موريتانيا.. هل أصبح الخروج من القصر الرمادي أصعب تحدٍ أمام الرئيس الحالي وخليفته ؟
منذ إقرار التعددية الديمقراطية في موريتانيا، ظل الدستور هو المرجعية الأساسية لتنظيم تداول السلطة، إذ يحدد مدة الرئاسة وعدد المأموريات، بما يضمن انتقالًا سلميًا للحكم ويحول دون احتكار السلطة. وفي المقابل، تتشكل في كل مرحلة أغلبية داعمة للرئيس ومعارضة تنافسه سياسيًا، وهو ما يعد من أبرز سمات الأنظمة الديمقراطية.
وفي العديد من الديمقراطيات، تحظى رؤساء الدول بحصانة قانونية بعد مغادرتهم مناصبهم فيما يتعلق بالقرارات المرتبطة بتسيير شؤون الدولة أثناء فترة حكمهم، وذلك لتجنب توظيف القضاء في تصفية الحسابات السياسية بعد انتهاء المأمورية. وفي موريتانيا، تنص المادة (93) من الدستور على أحكام خاصة بمساءلة رئيس الجمهورية، وقد أثارت هذه المادة منذ سنوات جدلًا واسعًا بين رجال القانون والسياسيين حول نطاق تطبيقها وحدودها.
ويرى عدد من فقهاء القانون أن الغاية من هذه المادة هي توفير قدر من الاستقرار للمؤسسة الرئاسية، حتى لا يغادر الرئيس السلطة وهو يخشى الملاحقات المرتبطة باجتهاداته في إدارة الدولة، خاصة أن إدارة المال العام والسياسات العمومية تدخل ضمن صلاحيات الرئيس المنتخب من الشعب، مع بقاء المسؤولية قائمة في الحالات التي يحددها الدستور والقانون.
غير أن محاكمة الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز بعد انتهاء مأموريته شكلت سابقة سياسية وقانونية غيرت نظرة الرؤساء إلى مرحلة ما بعد مغادرة القصر الرئاسي، وأصبحت تطرح تساؤلات حول الضمانات التي يتمتع بها أي رئيس بعد انتهاء ولايته.
وفي هذا السياق، يواجه الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، الذي يقترب من نهاية مأموريته الثانية وفق الدستور، معادلة سياسية معقدة. فمن جهة، تتصاعد داخل الأغلبية أصوات تدعو إلى فتح نقاش حول المأموريات خلال الحوار السياسي المرتقب، ومن جهة أخرى يبقى خيار دعم مرشح يثق فيه لخلافته محفوفًا بالمخاطر، لأن ضمان استمرار النهج السياسي لا يرتبط دائمًا بعلاقات الثقة الشخصية.
وتزداد هذه المخاوف إذا ما استحضرنا طبيعة العلاقة التي جمعت الرئيس الحالي بالرئيس السابق، والتي امتدت لعقود داخل المؤسسة العسكرية ثم في قيادة الدولة، قبل أن تنتهي بخلاف سياسي عميق ومحاكمة الرئيس السابق، وهو ما قد يجعل اختيار خليفة موثوق به أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى.
كما يذهب بعض المراقبين إلى أن جزءًا كبيرًا من الطبقة السياسية المعارضة خلال فترة حكم الرئيس السابق ركز جهوده على المطالبة بمحاكمته، معتبرين أن هذا الملف طغى على ملفات أخرى تتعلق بالإصلاح الاقتصادي وتحسين الخدمات العمومية ومحاربة الفساد. وفي المقابل، يرى آخرون أن محاسبة المسؤولين، بمن فيهم الرؤساء السابقون، تمثل مبدأ أساسيًا في دولة القانون متى توفرت الضمانات القانونية والقضائية.
وبين مقتضيات الدستور، ومتطلبات الاستقرار السياسي، ومبدأ المساءلة، يبقى السؤال مطروحًا: هل أصبح الخروج من القصر الرمادي أكثر صعوبة بالنسبة لأي رئيس موريتاني، أم أن ترسيخ دولة القانون يقتضي أن يخضع الجميع لأحكام الدستور والقضاء دون استثناء ؟
أخبار الوطن ً تحرير الصحفي ً آبيه محمد لفضل