
اطلعت باهتمام على التدوينة التي نشرها معالي الوزير الأول السيد المختار ولد أجاي، والتي عرض فيها الإجراءات الحكومية الأخيرة الرامية إلى دعم القدرة الشرائية للمواطنين، قبل أن يطرح في ختامها سؤالاً محورياً حول الخيار الأكثر نجاعة وإنصافاً: هل الأفضل توجيه الموارد إلى تثبيت أسعار المحروقات، أم إلى برامج دعم اجتماعي مباشر للفئات الأقل دخلاً؟
وبما أن معاليه اختار صيغة السؤال المفتوح، فإنني أود المساهمة في هذا النقاش من خلال عرض تصور شخصي، دون أن يكون في ذلك انتقاص من أي من المقاربات المطروحة أو من وجاهة الاعتبارات التي تستند إليها، فمثل هذه القضايا بطبيعتها لا تحتمل إجابة واحدة، وإنما تتسع لتعدد الرؤى وتكامل الاجتهادات.
فالقضايا الاقتصادية والاجتماعية الكبرى لا تقوم على وصفة واحدة جاهزة، بل تتداخل بشأنها مقاربات متعددة، لكل منها منطقها ومرجعياتها ونتائجها المحتملة.
ومن هذا المنطلق، أميل شخصياً إلى مقاربة تعطي أولوية أكبر للحفاظ على القدرة الشرائية للمواطنين من خلال التخفيف من آثار ارتفاع أسعار المحروقات، بالنظر إلى انعكاساتها الواسعة على مختلف الأسعار وتكاليف المعيشة، مع الإبقاء في الوقت ذاته على دعم موجّه للفئات الأكثر احتياجاً.
كما أنني أرى أن السياسات الاجتماعية، مهما كانت أهميتها، ينبغي أن تظل جزءاً من رؤية اقتصادية أشمل يكون هدفها الأساسي خلق الثروة وتوسيع فرص العمل وزيادة الدخل. فالمجتمعات لا تتقدم عبر توسيع نطاق المساعدات، وإنما أساساً عبر تمكين أكبر عدد من المواطنين من الحصول على دخل كريم ومستدام قائم على العمل والإنتاج والمبادرة الاقتصادية (كما أن الاعتماد على السلات الغذائية والدعم المباشر يظل، في نظري، مقاربة محدودة الطموح إذا لم تُدمج ضمن رؤية أوسع تستهدف بناء اقتصاد منتج يخلق الثروة ويوسع فرص العمل)
ومن هنا، فإن الطموح الذي أراه أكثر استدامة يتمثل في اقتصاد يضخ المزيد من الثروة داخل المجتمع ويوسع قاعدة المستفيدين منها، بما يقلص تدريجياً الحاجة إلى الإعانات المباشرة، ويعزز الاعتماد على الفرص الاقتصادية والتنمية المنتجة.
ومن بين الاعتبارات التي تدفعني إلى تفضيل هذا التوجه أن شريحة واسعة من المواطنين ترى أن الزيادة في أسعار المحروقات جاءت في مرحلة مبكرة نسبياً مقارنة بتطورات الأزمة في منطقة الخليج، بما جعل الربط بين الحدث الخارجي والإجراء الداخلي غير واضح تماماً في نظر البعض. كما أن دعم أسعار المحروقات لا يقتصر أثره على فئات معينة أو على مالكي السيارات فقط، بل يمتد إلى مجمل النشاط الاقتصادي عبر تكاليف النقل والإنتاج والتوزيع، وبالتالي ينعكس على أسعار السلع والخدمات التي تمس جميع المواطنين، ولا سيما ذوي الدخل المحدود. وهو ما يفسر لجوء عدد من الدول، في فترات الأزمات، إلى اتخاذ إجراءات لتخفيف أثر ارتفاع أسعار الطاقة على الاقتصاد والمجتمع ككل.
أحمد سالم ولد بوحبيني