عند إشارات المرور في نواذيبو.. أطفال يختصرون قسوة العالم في لحظات انتظار بقلم الإعلامي محمد سوله

عند إشارات المرور في نواذيبو.. أطفال يختصرون قسوة العالم في لحظات انتظار
بقلم الإعلامي محمد سوله

ما إن تتوقف المركبات عند الإشارة الحمراء في أحد أهم ملتقيات الطرق بمدينة نواذيبو، حتى يبدأ مشهد يتكرر كل يوم دون أن يفقد قسوته. أطفال صغار، بأجساد هزيلة وملامح أنهكها التعب، يتسللون بين السيارات المتوقفة، يطرقون النوافذ بخفة مرتبكة، وعيونهم معلقة بسائقي السيارات كأنها تبحث عن نجاة مؤجلة في قطعة نقدية.
في تلك اللحظات القصيرة، لا يبدو المشهد مجرد أطفال يطلبون مالًا، بل وجوه صغيرة تحاول أن تتشبث بأي شيء في عالم لا يمنحها الكثير. نظراتهم تجمع بين الرجاء والخجل، وبين ما تبقى من طفولة تُستنزف يومًا بعد يوم على قارعة الطريق.
هؤلاء الأطفال الذين صاروا جزءًا من المشهد اليومي عند الإشارات الضوئية ومحيط الأسواق في نواذيبو، ينحدر معظمهم من أوساط أجنبية قدمت من دول احنبية. لكن خلف هذا التصنيف البارد تختبئ حقيقة أكثر ألمًا: أطفال وجدوا أنفسهم في الشارع قبل أن يعرفوا معنى المدرسة أو الدفتر أو حتى لعبة بسيطة.
قبل سنوات، رُويت شهادة طفل احنبي صغير بنواذيب في حديث عابر مع صحفي محلي، كان صوته المرتبك يكشف ما هو أعمق من التسول. تحدث عن “مبلغ يومي” مطلوب منه جمعه، وعن خوفٍ يرافقه إذا عاد خالي الوفاض. لم يكن يتحدث عن والد أو أسرة، بل عن أشخاص قال إنهم جلبوه مع آخرين، وأصبحوا يتحكمون في تفاصيل يومهم من الصباح حتى المساء.
تلك الشهادة، رغم بساطتها، فتحت نافذة على عالم خفي، حيث تتحول الطفولة إلى وسيلة عمل قسري، وتُختصر الأيام في إشارات مرور تتكرر بلا رحمة. تحت شمس حارقة وضجيج السيارات، يقف هؤلاء الصغار بدل مقاعد الدراسة، ويحملون عبئًا يفوق أعمارهم بكثير.
يتكرر المشهد ذاته عند كل ضوء أحمر: طفل يركض نحو نافذة، آخر يتردد عند الرصيف، وثالث يراقب بصمت وكأنّه يحفظ حركة العالم دون أن يكون جزءًا منه. وما إن تتحول الإشارة إلى الأخضر، حتى تنفضّ الحكاية سريعًا، وتعود الخطوات الصغيرة إلى الهامش في انتظار دورة جديدة من الركض والرجاء.
ويرى مهتمون بالشأن الاجتماعي أن استمرار هذه الظاهرة يتجاوز حدود الفقر إلى أسئلة أكثر عمقًا، تتعلق بحماية الطفولة وحدود الاستغلال في فضاء مفتوح. فحين يصبح الطفل أداة لجمع المال، لا يعود الأمر مجرد حاجة، بل اختلال مؤلم في ميزان الإنسانية.
وفي مدينة تُعرف بأنها بوابة اقتصادية ومجال حيوي للحركة والتجارة، تقف هذه الوجوه الصغيرة كل يوم عند التقاطعات، شاهدة على واقع لا يلتفت إليه كثيرون إلا عابرين خلف زجاج سياراتهم.
لكن خلف هذا المشهد، تظل الحقيقة الأهم معلقة: هؤلاء أطفال أولًا وأخيرًا، مهما اختلفت ظروفهم أو خلفياتهم. لهم الحق في أن يجلسوا على مقاعد الدراسة بدل الأرصفة، وأن يحملوا كتبًا بدل أكواب التسول، وأن يعيشوا طفولة لم تكتمل بعد.
ومن هنا، تبرز الحاجة إلى تدخل جاد من الهيئات المدنية والجمعيات المعنية بحماية الطفولة، إلى جانب السلطات المختصة، من أجل انتشال هؤلاء الصغار من دائرة الشارع والاستغلال، وفتح أبواب التعليم والرعاية أمامهم.
فالمقعد الدراسي ليس مجرد بديل، بل بداية حياة أخرى أكثر أمانًا وكرامة، والكتاب ليس رفاهية، بل حق أساسي في مواجهة واقع قاسٍ سُرقت فيه الطفولة مبكرًا.
وعند إشارات نواذيبو، لا يقف أطفال يبحثون عن صدقة عابرة، بل تقف قضية إنسانية كاملة تنتظر من يمد لها يد الإنقاذ… قبل أن يتحول الصمت إلى جزء من المشهد نفسه.

التعليقات مغلقة.

M .. * جميع الحقوق محفوظة لـ موقع أخبار الوطن 0

%d مدونون معجبون بهذه: