
هل يتلاعب رجال الأعمال بالأسعار بعيدًا عن رقابة الرئاسة والوزارة؟
يلاحظ المتابع لوضعية الأسعار في موريتانيا، منذ بداية مأمورية الرئيس، موجة ارتفاع ملحوظة في أسعار المواد الأساسية، وهو ما أثقل كاهل المواطن البسيط وأحدث حالة من التذمر والارتباك في الساحة العامة. فقد أصبحت كلفة المعيشة تشكل تحديًا يوميًا للأسر، خاصة ذات الدخل المحدود.
ومع تعيين وزيرة التجارة السيدة بنت أحمدناه، شهد الملف تحركًا لافتًا، حيث عقدت سلسلة اجتماعات وصفت بالصريحة والحازمة مع كبار رجال الأعمال والموردين. وأكدت الوزيرة أن تعليمات رئيس الجمهورية واضحة بخصوص ضرورة خفض الأسعار وضبط السوق، معلنة جاهزية القطاع لتفعيل أجهزة الرقابة، وعدم التهاون مع أي جهة يثبت تلاعبها بقوت المواطنين.
كما لوّحت الوزارة، في حال تعثر التفاهم مع رجال الأعمال، باللجوء إلى خيار استيراد المواد الغذائية عبر الشركة الوطنية التابعة للدولة، لضمان وفرة المواد الأساسية بأسعار معقولة، وكسر أي احتكار محتمل للسوق.
وقد أسفرت هذه المقاربة الرقابية، خلال السنوات الماضية، عن نوع من الاستقرار النسبي في الأسعار، وهو ما لقي ترحيبًا من هيئات المجتمع المدني وقطاعات واسعة من المواطنين، الذين رأوا في ذلك خطوة إيجابية نحو حماية القدرة الشرائية.
غير أن عملية “رمضان” هذا العام، التي أطلقها رئيس الجمهورية بحضور عدد من القطاعات الوزارية ومفوضية الأمن الغذائي، ورُصدت لها ميزانية قدرها 14 مليار أوقية، لم تحقق – بحسب متابعين – النتائج المرجوة. ويُعزى ذلك، وفق آراء بعض الفاعلين في السوق، إلى ما وصفوه بغموض وجدية غير مكتملة من طرف بعض رجال الأعمال في تنفيذ التعهدات المتعلقة بتوفير المواد بأسعار مخفضة.
فعند الحديث مع عدد من أصحاب محلات التقسيط، يؤكد بعضهم أن التخفيضات المعلنة تظل مرتبطة بكبار الموردين، لكنها لا تنعكس دائمًا على أرض الواقع بالشكل المطلوب. ويشيرون إلى أن الكميات الموزعة في السوق قد لا تكون كافية لتغطية الطلب، في حين تُطرح كميات أخرى بطرق وأسعار قد لا تتطابق مع ما تم الاتفاق عليه، ما يعزز فرضية وجود تلاعب أو على الأقل خلل في آليات التوزيع.
ويبقى المواطن في هذه المعادلة الحلقة الأضعف، بين خيارين أحلاهما مرّ: إما الشراء بالسعر المعروض، أو الدخول في خلاف مع صاحب محل التقسيط، وهو ما قد يؤثر على علاقة الثقة التي تربطه به، خاصة وأن كثيرًا من الأسر تعتمد على “دفتر الدين” إلى نهاية الشهر. وقد عبّر عدد من المواطنين، في مقابلات ميدانية، عن عدم استعدادهم للدخول في نزاعات مع أصحاب المحلات، لما لذلك من تبعات اجتماعية ومعيشية.
وتزداد الصورة تعقيدًا مع مطالبة الوزارة المواطنين بالتبليغ عن أي تجاوزات، في ظل ما يمكن تسميته بـ“مثلث الثقة” بين رجل الأعمال، وصاحب محل التقسيط، والزبون. فالتعاملات القائمة على الثقة والدين تجعل من الصعب تتبع الأسعار الحقيقية، خصوصًا أن نسبة معتبرة من محلات التقسيط تبيع جزءًا كبيرًا من موادها لزبائن محددين عبر دفاتر الدين، ما يعقّد مهمة الرقابة الميدانية.
وفي ظل هذه المعطيات، يظل السؤال مطروحًا: هل المشكلة في ضعف الرقابة، أم في التزام بعض رجال الأعمال، أم في طبيعة السوق التقليدية القائمة على الثقة والعلاقات الاجتماعية؟
الإجابة عن هذا السؤال تبقى مفتوحة، لكن المؤكد أن المواطن ينتظر حلولًا عملية تضمن استقرار الأسعار وتحمي قدرته الشرائية، بعيدًا عن أي تجاذبات أو حسابات ضيقة .
صورة امس من العاصمة انواكشوط حوانيت التقسيط
أخبار الوطن
تحرير الصحفي آبيه محمد لفضل