
لأول مرة منذ استقلال البلاد.. منع الصحافة المستقلة من تغطية الأنشطة الرسمية
أخبار الوطن – تحرير: الصحفي أبيه محمد لفضل
منذ تولي الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني مقاليد السلطة عام 2019، عملت جهات داخل الدولة، من بينها لوبيات سياسية وإعلامية اعتادت التكيف مع مختلف الأنظمة والتقرب منها، على حصر تغطية الأنشطة الرسمية في الإعلام العمومي ومكتب الإعلام برئاسة الجمهورية، إلى جانب عدد محدود من المؤسسات الصحفية المستقلة المقربة من تلك اللوبيات.
وقد تحولت بعض هذه المؤسسات، وفق انتقادات متداولة في الوسط الصحفي، إلى ما يشبه وكالات ظل للإعلام العمومي، حيث يُشترط عليها، مقابل تعويضات مالية معتبرة، إعادة نشر وتوزيع المضامين التي يبثها الإعلام الرسمي، بدل ممارسة دورها الصحفي المستقل في نقل الأحداث وإعداد التغطيات الميدانية.
ومن المفارقات التي أثارت استياء الأوساط الصحفية، اعتماد أحد الصحفيين التابعين لهذه الوكالات لتغطية زيارة رسمية خارج البلاد، وتحديداً إلى فرنسا، حيث اقتصر حضوره، بحسب الرواية المتداولة، على الإقامة في الفندق وتناول الوجبات، دون القيام بتغطية صحفية فعلية للزيارة. وعند عودته إلى مطار أم التونسي، تسلّم مبلغ ألفي دولار مقابل ما اعتُبر تعويضاً عن مهام التغطية.
واستمرت هذه الممارسات لعدة سنوات، رغم أن هيئات صحفية وازنة، من بينها تجمع المؤسسات الإعلامية المستقلة، وجهت رسائل إلى رئاسة الجمهورية، نبهت فيها إلى خطورة غياب الشفافية في معايير اختيار المؤسسات الصحفية التي ترافق رئيس الجمهورية في زياراته وأنشطته الرسمية، مطالبة بوضع معايير واضحة وعادلة تضمن تكافؤ الفرص بين مختلف المؤسسات الإعلامية.
ومع تولي مدير ديوان رئيس الجمهورية الحالي، الناني ولد أشروقة، مهامه، جرى وضع حد لما كان يُنتقد باعتباره اختلالاً في آلية اختيار المؤسسات الصحفية المرافقة للرئيس.
غير أن رد فعل بعض لوبيات وزارة الثقافة والجهات الوصية، بحسب ما يُتداول في الأوساط الإعلامية، جاء على نحو غير متوقع، إذ انتهى الأمر بحرمان الصحافة المستقلة بمختلف مؤسساتها من تغطية الأنشطة الرسمية والزيارات الرئاسية، في خطوة تبدو بمثابة عقوبة غير مباشرة للصحافة المستقلة، رداً على تغيير آلية الاختيار السابقة.
وهكذا، وجدت المؤسسات الصحفية المستقلة نفسها أمام واقع جديد يحرمها من حقها في الوصول إلى الأنشطة الرسمية وتغطيتها، بدلاً من اعتماد معايير مهنية وشفافة تتيح لجميع المؤسسات الإعلامية فرصاً متكافئة.
إن منع الصحافة المستقلة من تغطية زيارات رئيس الجمهورية والأنشطة الرسمية يطرح تساؤلات جدية حول مدى احترام التعددية الإعلامية ومبدأ تكافؤ الفرص، فضلاً عن ضمانات حرية الصحافة التي يكفلها الدستور.
فالإعلام العمومي ومكتب الإعلام برئاسة الجمهورية، مهما كان دورهما في نقل الأنشطة الرسمية، لا يمكن أن يكونا بديلاً عن الصحافة المستقلة، التي تضطلع بدور مختلف يقوم على نقل المعلومات من مصادر متعددة، وممارسة الرقابة الصحفية، وطرح الأسئلة، وإتاحة المجال أمام الرأي العام للاطلاع على مختلف جوانب الشأن العام.
إن الأنشطة الرسمية، وخاصة أنشطة رئيس الجمهورية، شأن عام وليست نشاطاً خاصاً، ومن حق الصحافة المستقلة أن تحظى بفرصة عادلة لتغطيتها، بعيداً عن الانتقائية والإقصاء والحسابات السياسية والإعلامية الضيقة .