
بعثات وزارية جديدة إلى الولايات.. 250 مليار أوقية أُنفقت، ومعاناة المواطنين مستمرة!
قبل إطلاق الخطة الاستعجالية، أوفد الوزير الأول مختار ولد أجاي وزراء إلى الولايات الداخلية للاستماع إلى انشغالات المواطنين والاطلاع على مشاكلهم. واليوم، تتكرر المهمة نفسها بإيفاد بعثات جديدة، في وقت لا يزال فيه المواطن يتساءل عن حصيلة الخطة السابقة، التي أُعلن عن تخصيص 250 مليار أوقية لها.
بعثات سابقة ووعود لم تنعكس على الواقع
للتذكير، عقب الإعلان عن الخطة الاستعجالية التي أطلقتها الحكومة برئاسة الوزير الأول مختار ولد أجاي، أُعلن عن إرسال بعثات وزارية إلى الولايات الداخلية بهدف الوقوف على المشاكل الملحّة للمواطنين، وتحديد أولويات التدخل الحكومي.
وقد لقيت هذه الخطوة ترحيبًا واسعًا في بدايتها، ووصلت البعثات إلى مختلف الولايات، حيث استمعت إلى المواطنين ووثّقت جملة من مطالبهم وانشغالاتهم.
لكن، وبعد الإعلان عن انتهاء الخطة وإنفاق نحو 250 مليار أوقية من خزينة الدولة، لا يزال واقع المواطن يثير الكثير من التساؤلات، في ظل تراجع مستوى الخدمات العمومية واستمرار العديد من المشاكل التي كان يُفترض أن تسهم الخطة في معالجتها.
وفي المقابل، تتصاعد الانتقادات بشأن مدى استفادة المواطنين فعليًا من هذه الأموال، وما إذا كانت المشاريع المنفذة قد حققت الأهداف المعلنة، أم أن المستفيد الأكبر كان بعض رجال الأعمال والمقاولين الحاصلين على الصفقات.
صفقة كابلات «صوملك» نموذجًا
ومن بين الملفات التي أثارت جدلًا واسعًا، قضية كابلات الشركة الموريتانية للكهرباء «صوملك»، التي ارتبطت، بحسب الانتقادات المتداولة، بمشاكل في المنشآت الكهربائية بالعاصمة نواكشوط، وما رافقها من انقطاعات للتيار الكهربائي وخسائر لحقت بممتلكات المواطنين والتجار.
وتطرح هذه القضية تساؤلات بشأن جودة الصفقات العمومية، وآليات الرقابة على تنفيذ المشاريع، ومدى محاسبة الجهات المسؤولة عن أي اختلالات قد تؤثر على الخدمات المقدمة للمواطنين.
فكيف يمكن تبرير إنفاق مبالغ ضخمة من المال العام، بينما لا تزال معاناة المواطنين قائمة، وتستمر الشكاوى من ضعف الخدمات الأساسية؟
بعثات جديدة.. والمهمة نفسها تتكرر
اليوم، وبعد استقالة الحكومة وتجديد الثقة في الوزير الأول مختار ولد أجاي، يُعلن مجددًا عن إرسال بعثات إلى مختلف الولايات للاستماع إلى مشاكل المواطنين والاطلاع على احتياجاتهم.
وهنا يبرز السؤال الجوهري: ما الجديد الذي ستحمله هذه البعثات، مقارنة بالبعثات السابقة التي جابت الولايات، واستمعت إلى المواطنين، ووثّقت مطالبهم، قبل الإعلان عن انتهاء الخطة الاستعجالية؟
ألم تكن نتائج تلك الزيارات كافية لتحديد الأولويات ووضع حلول عملية للمشاكل المطروحة؟ وإذا كانت البعثات السابقة قد أنجزت مهمتها ووثّقت احتياجات السكان، فلماذا تستدعي المرحلة الحالية تكرار المهمة نفسها؟
إن إرسال الوفود الوزارية إلى الولايات يتطلب، بطبيعة الحال، نفقات تتعلق بالسفر والإقامة والتنقل، وهو ما يفرض ضرورة توضيح كلفتها المالية، والنتائج الملموسة التي يُنتظر أن تحققها، حتى لا تتحول الزيارات الميدانية إلى مجرد نشاط إعلامي لا ينعكس على حياة المواطنين.
أين الحلول وأين المحاسبة؟
إن المشكلة الأساسية لا تكمن في زيارة الوزراء للولايات أو الاستماع إلى المواطنين، فهذه خطوة ضرورية إذا كانت مقدمة لعمل حكومي جاد، وإنما تكمن في مدى تحويل ما يُجمع من شكاوى ومطالب إلى قرارات وإجراءات عملية.
فالمواطن لا يحتاج إلى تكرار الاستماع إلى مشاكله بقدر حاجته إلى حلول ملموسة تنهي معاناته مع انقطاع الكهرباء، وضعف الخدمات العمومية، وتعثر المشاريع، وغيرها من التحديات اليومية.
كما أن إنفاق الأموال العمومية يستوجب تقديم حصيلة واضحة للرأي العام، تتضمن المشاريع التي أُنجزت، والمبالغ التي صُرفت، والنتائج التي تحققت، ومدى استفادة المواطنين منها.
وفي ظل تكرار البعثات الوزارية، يبقى السؤال المطروح:
ما الفرق بين البعثات الحالية وسابقاتها؟ وما الذي يضمن ألا تنتهي هذه الزيارات، مثل سابقاتها، بمجرد تقارير ووعود جديدة، بينما تظل مشاكل المواطنين معلّقة؟
وإلى متى ستستمر جولات الاستماع وتكرار الوعود، من دون أن يلمس المواطن أثرًا واضحًا لها في حياته اليومية؟
إن المطلوب اليوم ليس إرسال بعثات جديدة فحسب، بل تقديم إجابات واضحة عن حصيلة الخطة الاستعجالية، وكشف أوجه إنفاق الأموال المخصصة لها، وتقييم نتائجها بشفافية، ومحاسبة المسؤولين عن أي تقصير تثبته التحقيقات والجهات المختصة.
فخزينة الدولة ليست مجالًا لتكرار التجارب المكلفة من دون تقييم، ومعاناة المواطنين لا ينبغي أن تتحول إلى موضوع دائم للزيارات والتقارير، بل إلى أولوية تستدعي حلولًا عملية ونتائج قابلة للقياس .
أخبار الوطن ً تحرير الصحفي ً آبيه محمد لفضل