
لفت انتباهي خبرا نشره موقع “رفي دكار ” السنغالي حول توجه السنغال إلى تسريع الاعتماد على الغاز في إنتاج الكهرباء، بعد أن كشفت انقطاعات التيار التي شهدتها البلاد خلال سبتمبر المنصرم عن الحاجة إلى معالجة نقاط الضعف في منظومة الطاقة.
المفارقة أن السنغال، التي تشترك مع موريتانيا في حقل الغاز البحري «السلحفاة آحميم» (GTA)، تتحدث اليوم عن تسريع الانتقال إلى الغاز لتقليل كلفة إنتاج الكهرباء وتعزيز استقرار الشبكة.
بينما تمتلك موريتانيا نفسها موارد غازية أخرى، وتعلن منذ سنوات استراتيجية تقوم على تحويل الغاز إلى كهرباء.
وتقول وزارة الطاقة والنفط الموريتانية إن استراتيجية «الغاز من أجل الكهرباء» تستهدف استغلال حقول الغاز، ومن بينها «باندا» و«GTA» و«بير الله»، لتأمين احتياجات البلاد من الطاقة وخفض كلفة الإنتاج.
كما تتحدث الوزارة عن مشروع لنقل الغاز من حقل “باندا” إلى نواكشوط، وتحويل محطات قائمة للعمل بالغاز، وإنشاء قدرات إنتاجية جديدة.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه اليوم ليس: هل لدينا الغاز؟
فالجواب أصبح معروفًا
السؤال الحقيقي هو: متى يتحول هذا الغاز إلى كهرباء مستقرة وموثوقة تصل إلى المواطن؟
فالغاز بالنسبة للمواطن ليس مجرد أرقام عن الاحتياطيات والإنتاج والتصدير، ولا ينبغي أن يبقى عنوانًا في البيانات الرسمية وتقارير المشاريع. قيمته الحقيقية تظهر عندما يستطيع المواطن أن يعيش دون خوف من انقطاع الكهرباء، وعندما تتمكن المستشفيات والمراكز الصحية والمؤسسات والمصانع والمؤسسات التعليمية من الحصول على طاقة مستقرة.
وتكتسب هذه المسألة أهمية أكبر بعد أزمة الكهرباء التي عرفتها العاصمة نواكشوط في أغسطس الماضي، بعد تعرض محطتين كهربائيتين في العاصمة نواكشوط، للحريق فجأة وما نتج عن ذلك الحادث الخطير من انقطاعات واسعة للتيار الكهربائي وتأثر عدد من الأحياء والمنشآت والخدمات.
وقد تابع رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني تداعيات الحادثين، ووجّه بإنشاء لجنة تحقيق مستقلة لتحديد الأسباب والملابسات والمسؤوليات، كما شدد على تحديث وتأمين شبكة توزيع الكهرباء ورفع جاهزيتها. وأكد صراحة أن عودة التيار الكهربائي لا تعني طي صفحة الحادثين.
وكانت آثار الانقطاعات أوسع من مجرد انطفاء المصابيح في المنازل؛ فقد اضطربت خدمات أساسية، من بينها ضخ مياه الشرب، كما تأثرت إمدادات الكهرباء للمستشفيات الوطنية في العاصمة، وهو ما يوضح أن الكهرباء ليست خدمة ثانوية، وإنما عصب للحياة اليومية ولعمل الدولة والاقتصاد والخدمات الصحية.
وهنا تحديدًا تصبح المقارنة مع السنغال مشروعة.
فبحسب التقرير الذي نشرته «رفي دكار»، بلغ الطلب على الكهرباء في السنغال نحو 1400 ميغاواط في ذروته خلال أغسطس، بينما تجاوزت القدرة الإنتاجية المركبة 2300 ميغاواط، ومع ذلك كشفت مشاكل الوقود والأعطال الفنية عن هشاشة في المنظومة. ولذلك تتجه السلطات السنغالية إلى تسريع استخدام الغاز المحلي، وتطوير شبكة لنقله عبر خطوط أنابيب، بهدف تقليل الاعتماد على الوقود المستورد وخفض تكلفة إنتاج الكهرباء.
والأهم أن السنغال أعلنت منذ العام الماضي استراتيجية «Gas to Power»، أي تحويل الغاز إلى كهرباء، مع تطوير البنية التحتية اللازمة وربطها بمشاريع الغاز، بما فيها مشروع GTA المشترك مع موريتانيا.
-أما موريتانيا، فقد دخلت بالفعل نادي الدول المنتجة للغاز المسال مع بدء صادرات مشروع GTA في 2025، فيما تؤكد الحكومة أن جزءًا من استراتيجية الغاز يتمثل في تلبية الاحتياجات المحلية من الطاقة.
وهنا تبرز المفارقة التي تستحق أن تكون موضع نقاش وطني:
موريتانيا والسنغال تشتركان في الغاز، لكن المواطن في البلدين يريد الشيء نفسه: كهرباء مستقرة وبسعر يمكن تحمله.
ولا ينبغي أن تتحول المقارنة إلى مجرد سؤال: من سبق ومن تأخر؟
الأهم أن نسأل: ماذا أنجزنا؟ وماذا بقي؟ ومتى سيشعر المواطن الموريتاني بأن ثروة الغاز غيرت فعلاً حياته؟
فالمواطن لا يقيس نجاح السياسة الطاقوية بعدد آبار الغاز ولا بحجم الصادرات فقط، وإنما يقيسها بمدى استقرار الكهرباء في منزله، وبقاء المستشفى مضاءً، واستمرار ضخ المياه، وانتظام عمل المصنع والمتجر والمدرسة، وانخفاض كلفة الإنتاج والخدمات.
ومن الإنصاف أيضًا القول إن موريتانيا لديها مشاريع معلنة في هذا المجال؛ فوزارة الطاقة تتحدث عن تطوير حقل باندا وربطه بمحطات إنتاج الكهرباء.
كما أعلنت في مارس 2026 شراكة لتطوير محطة كهرباء بالغاز في نواكشوط، على أن تبدأ المرحلة الأولى بقدرة 200 ميغاواط وتصل إلى 365 ميغاواط وفق الجهة المطورة للمشروع.
لكن الإعلان عن المشاريع شيء، وتحويلها إلى واقع يلمسه المواطن شيء آخر.
وهنا يجب أن تكون لجنة التحقيق في حرائق محطتي الكهرباء أكثر من مجرد إجراء لمعرفة سبب الحريق.
فقد كُلّفت اللجنة أيضًا باستخلاص الدروس وتقديم توصيات، فيما أكدت الرئاسة ضرورة تحديث وتأمين الشبكة وتعزيز جاهزيتها.
فإذا كان الغاز هو أحد مفاتيح المستقبل الطاقوي لموريتانيا، فإن المفتاح الآخر هو الشبكة القادرة على نقل الكهرباء، ومحطات قادرة على إنتاجها، وصيانة فعالة، وحوكمة شفافة، ومحاسبة عند وقوع التقصير.
إن امتلاك الغاز فرصة تاريخية، لكنه ليس إنجازًا مكتملًا في حد ذاته.
فهل ما زلنا نقارن تطورنا بالدول المجاورة بالأرقام والشعارات، أم بدأنا نقارن بما يصل فعليًا إلى المواطن من كهرباء وماء وخدمات؟
السنغال اليوم، رغم مشاكلها وانقطاعاتها، تقرأ أزمة الكهرباء وتبحث عن تسريع التحول إلى الغاز.
أما نحن، فعلينا أن نقرأ أزمتنا أيضًا، وأن نسأل بجدية:
كيف نحول الغاز الموريتاني إلى كهرباء موريتانية مستقرة، قبل أن يظل المواطن يدفع ثمن انقطاعاتها من جيبه وصحته وأعماله وخدماته؟
هذه ليست مقارنة بين موريتانيا والسنغال، بل هي سباق مع الزمن، ومع حاجات المواطن، ومع مسؤولية دولة تملك موارد طبيعية كبيرة وتحتاج إلى تحويلها إلى تنمية ملموسة.