المواطن أولاً: من أي موريتانيا نريد إلى أي مواطن نريد؟

حين يُطرح سؤال «أي موريتانيا نريد؟»، ينصرف التفكير عادةً إلى شكل الدولة، وطبيعة النظام السياسي، ومستقبل المؤسسات، وشكل الإصلاحات التي تحتاجها البلاد. وهي كلها أسئلة مشروعة وضرورية، لكنها تظل ناقصة إذا لم نطرح معها سؤالاً أكثر عمقاً: أي مواطن نريد؟

فالدولة، مهما كانت مؤسساتها قوية، لا تتحرك من تلقاء نفسها. والقوانين لا تطبق نفسها، والمؤسسات لا تحميها الجدران والنصوص وحدها. وراء كل ذلك يوجد الإنسان: المواطن الذي يمارس حقوقه، ويؤدي واجباته، ويختار ممثليه، ويحترم القانون، ويراقب أداء المسؤولين، ويحدد في النهاية طبيعة الحياة العامة.

ومن هنا، فإن مستقبل موريتانيا لا يتعلق فقط بما نريد أن تكون عليه الدولة، وإنما أيضاً بنوعية المواطن الذي نريد أن يكون أساساً لها.

الدولة تبدأ من الإنسان

لا يمكن بناء دولة حديثة بمجرد إنشاء المؤسسات أو تعديل القوانين. فالمؤسسات تحتاج إلى ثقافة تحميها، والقوانين تحتاج إلى مجتمع يؤمن بضرورة احترامها.

الدولة التي تقوم على المواطنة تحتاج إلى مواطن يشعر بأن الدولة ملك لجميع أبنائها، وليست امتيازاً لمجموعة أو جهة أو قبيلة. وتحتاج إلى مواطن يرى أن حقه لا يأتي من قوة علاقاته، وإنما من كونه مواطناً متساوياً أمام القانون.

وهذا التحول ليس بسيطاً، لأنه يرتبط بثقافة تراكمت عبر عقود، وبأنماط اجتماعية لا يمكن تغييرها بالشعارات أو القرارات الإدارية وحدها.

فالانتماءات الاجتماعية والقبلية والجهوية جزء من واقع المجتمع الموريتاني وتاريخه، ولا يمكن التعامل معها وكأنها ظواهر يمكن إلغاؤها بقرار. لكن التحدي الحقيقي يبدأ عندما تنتقل هذه الروابط من المجال الاجتماعي إلى المجال السياسي، وتصبح معياراً للحصول على النفوذ أو الفرص أو الحماية.

هنا يصبح السؤال ضرورياً: كيف نحافظ على خصوصية المجتمع وتنوعه، وفي الوقت نفسه نجعل المواطنة هي الإطار الأوسع الذي يجمع الجميع؟

المواطن الذي نريد

المواطن الذي تحتاجه موريتانيا المستقبل ليس مواطناً مثالياً بالمعنى النظري، وإنما مواطن يعرف حقوقه وواجباته.

مواطن لا يرى الدولة فقط باعتبارها جهة تمنح الوظيفة أو الخدمة أو الامتياز، وإنما باعتبارها مؤسسة عامة يجب أن تعمل وفق القانون.

مواطن لا يكتفي بالسؤال: ماذا سأحصل عليه؟ بل يسأل أيضاً: ماذا أستطيع أن أقدم؟

مواطن يختلف مع غيره دون أن يتحول الاختلاف إلى خصومة شخصية أو اجتماعية.

مواطن يختار ممثليه بناءً على ما يقدمونه من أفكار وبرامج وقدرة على تحمل المسؤولية، ويحاسبهم على ما أنجزوه، لا على انتماءاتهم وحدها.

ومواطن يدرك أن الديمقراطية ليست يوم الاقتراع فقط، وإنما ممارسة يومية تقوم على المسؤولية والمساءلة واحترام المؤسسات.

هذا النوع من المواطن لا يولد فجأة. إنه نتاج مدرسة، وأسرة، وإعلام، ونخبة سياسية وثقافية، ومؤسسات دولة، وتجربة اجتماعية طويلة.

المدرسة قبل السياسة

إذا أردنا تغيير الثقافة السياسية، فعلينا أن نبدأ من حيث يتشكل وعي الإنسان.

المدرسة ليست مكاناً لتلقين المعارف فقط، بل هي إحدى أهم المؤسسات التي تصنع علاقة الطفل بالدولة والمجتمع والقانون.

فالطفل الذي يتعلم منذ سنواته الأولى معنى الحق والواجب، واحترام القانون، وقبول الاختلاف، والمحافظة على الممتلكات العامة، واحترام الآخر، سيكون أكثر استعداداً لفهم معنى المواطنة عندما يصبح بالغاً.

ولهذا فإن الحديث عن إصلاح سياسي لا ينبغي أن ينفصل عن الحديث عن إصلاح التعليم والتربية المدنية.

فالمواطنة ليست مادة دراسية تحفظ، وإنما سلوك يتعلمه الإنسان ويمارسه.

والإعلام شريك في صناعة الوعي

للإعلام أيضاً مسؤولية كبيرة في تشكيل النقاش العام.

عندما يصبح الاهتمام السياسي منصباً على الأشخاص والمواقع والتحالفات، بينما تتراجع الأسئلة المتعلقة بالبرامج والسياسات والنتائج، فإن المجال العام يفقد جزءاً مهماً من وظيفته.

أما الإعلام الذي يسأل المسؤول: ماذا فعلت؟ ماذا وعدت؟ ماذا أنجزت؟ وكيف ستُحاسب؟ فإنه يساعد على نقل السياسة من دائرة الأشخاص إلى دائرة الأداء العام.

وهنا لا يتعلق الأمر بمنح الإعلام دوراً سياسياً، وإنما بمنحه دوره الطبيعي في خدمة المجتمع، وتوفير المعلومات، وطرح الأسئلة، ومراقبة أداء المؤسسات، وفتح المجال أمام النقاش المسؤول.

مسؤولية النخب

ولا يمكن تحميل المواطن وحده مسؤولية التحول.

فالنخب السياسية والفكرية والثقافية والأكاديمية والإعلامية تتحمل مسؤولية كبيرة في إنتاج الأفكار التي يحتاجها المجتمع.

المجتمع لا يتغير فقط عندما تتغير القوانين، وإنما عندما تتغير الأفكار التي تحكم نظرته إلى الدولة والسلطة والمصلحة العامة.

ولهذا تحتاج موريتانيا إلى نقاش يتجاوز الأشخاص والمواقع، ويتجه نحو الأسئلة الكبرى: كيف نريد اقتصادنا؟ كيف نريد تعليمنا؟ كيف نريد إدارتنا؟ كيف نريد علاقتنا بالمؤسسات؟ وما الذي يعنيه أن يكون الإنسان مواطناً؟

النخبة الحقيقية لا تكتفي بمتابعة الأحداث، وإنما تساعد المجتمع على فهمها وربطها بمستقبله.

من مجتمع الانتماءات إلى دولة المواطنة

ليس المطلوب أن يتخلى الموريتاني عن انتمائه الاجتماعي أو الثقافي. فالمجتمعات لا تبنى على إلغاء ذاكرتها وروابطها.

لكن المطلوب هو أن تكون المواطنة هي الإطار الذي تتعايش داخله كل هذه الانتماءات.

يمكن للإنسان أن يكون ابن قبيلته ومنطقته وعائلته، وأن يعتز بثقافته وتاريخه، وفي الوقت نفسه يكون ولاؤه للدولة والقانون والمصلحة العامة جامعاً لكل ذلك.

المشكلة ليست في وجود الانتماءات، وإنما في تحويلها إلى بديل عن المؤسسات.

فعندما يصبح الانتماء الاجتماعي أقوى من القانون في تحديد الحقوق والفرص، تتراجع فكرة الدولة.

أما عندما تكون الدولة قادرة على ضمان الحقوق وفق قواعد واضحة، يصبح الانتماء الاجتماعي جزءاً من الهوية، لا أداة للتحكم في المجال العام.

الإصلاح ليس هندسة مؤسسات فقط

كثيراً ما يبدأ الحديث عن الإصلاح السياسي بالسؤال: ما المؤسسات التي نحتاجها؟

لكن السؤال الذي ينبغي أن يرافقه هو: من هم الأشخاص الذين سيديرون هذه المؤسسات؟ وما الثقافة التي ستحكم ممارستهم؟

فأفضل النصوص يمكن أن تفقد جزءاً من فعاليتها إذا لم تجد من يحترمها، وأقوى المؤسسات يمكن أن تضعف إذا أصبحت الممارسة داخلها قائمة على المصالح الشخصية بدل المصلحة العامة.

لذلك فإن الإصلاح السياسي الحقيقي له بعد مؤسسي، لكنه أيضاً إصلاح للثقافة والسلوك.

إن بناء دولة القانون يحتاج إلى قانون عادل ومؤسسات فعالة، لكنه يحتاج كذلك إلى مواطن يؤمن بالقانون، ومسؤول يقبل المساءلة، ونخبة تحترم الاختلاف، ومجتمع يدرك أن الدولة ليست غنيمة وإنما ملك عام.

السؤال الذي يسبق كل الأسئلة

ربما لهذا السبب فإن سؤال «أي موريتانيا نريد؟» لا ينبغي أن يتوقف عند شكل الدولة أو النظام السياسي.

قبل أن نسأل عن المؤسسات التي نريدها، علينا أن نسأل عن الإنسان الذي نريد أن يحمل هذه المؤسسات.

وقبل أن نتحدث عن دولة المواطنة، علينا أن نتحدث عن ثقافة المواطنة.

وقبل أن نطالب المواطن بمحاسبة المسؤول، علينا أن نساعده على امتلاك المعرفة والأدوات التي تمكنه من ممارسة هذا الحق.

موريتانيا المستقبل لن تُبنى بالمؤسسات وحدها، ولن تُبنى بالشعارات وحدها، ولن تُبنى بإعادة إنتاج الثقافة السياسية نفسها.

إنها تحتاج إلى دولة تحترم المواطن، ومؤسسات تخدمه، وقانون يساوي بينه وبين غيره، ومدرسة تصنع وعيه، وإعلام يساعده على فهم واقعه، ونخبة تفتح أمامه أفقاً أوسع من الحسابات الضيقة.

وفي النهاية، قد يكون السؤال الأهم ليس فقط: أي موريتانيا نريد؟

بل:

أي مواطن نريد لموريتانيا التي نريد؟

فحين نعرف المواطن الذي نريد، يصبح الحديث عن الدولة التي نريد أكثر وضوحاً.

وحين تصبح المواطنة ممارسة وليست مجرد كلمة، يمكن للمؤسسات أن تجد الإنسان الذي يحميها، وللدولة أن تجد المجتمع الذي تستند إليه.

فالدولة التي نريد تبدأ، في نهاية المطاف، بالمواطن الذي نريد.

التعليقات مغلقة.

M .. * جميع الحقوق محفوظة لـ موقع أخبار الوطن 0

%d مدونون معجبون بهذه: