الغزواني من شنقيط: النهوض بالتعليم واستعادة الدور العلمي ركيزتان لبناء موريتانيا

أكد الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني أن التعليم يجب أن يحتل موقع الصدارة ضمن أولويات الدولة والمجتمع، مشددا على أن تحقيق التنمية المستدامة، وتعزيز تكافؤ الفرص، وترسيخ قيم المواطنة، يمر أساسا عبر بناء منظومة تعليمية شاملة وذات جودة.

وجاءت تصريحات الرئيس خلال اجتماع عقده مساء الثلاثاء مع أطر ووجهاء مقاطعة شنقيط، حيث شدد على أن الأولوية التي ينبغي أن تتقدم مختلف الملفات هي «التعليم، ثم التعليم، ثم التعليم»، معتبرا أن الاستثمار في الإنسان والمعرفة يمثل المدخل الأهم لبناء مجتمع قادر على تحقيق التنمية والحد من الفوارق.

وأوضح ولد الشيخ الغزواني أن إصلاح المنظومة التعليمية خلال السنوات الأخيرة تحرك على مستويين رئيسيين، يتعلق الأول بتوسيع التعليم الأساسي والثانوي وتطوير مشروع «المدرسة الجمهورية»، فيما يركز الثاني على توسيع التعليم العالي ومواءمة التخصصات الجامعية مع متطلبات الاقتصاد الوطني وحاجات سوق العمل.

وأشار إلى أن مشروع المدرسة الجمهورية لا يقتصر على توفير فرص متقاربة في التعليم، بل يهدف كذلك إلى تعزيز الانسجام الاجتماعي من خلال جمع أبناء المجتمع في مؤسسات تعليمية مشتركة، موضحا أن تنفيذ المشروع تطلب الاستثمار في البنية التحتية التعليمية، وزيادة أعداد المدرسين، إلى جانب مراجعة المناهج وتطويرها.

وفي قطاع التعليم العالي، استعرض الرئيس جملة من المؤسسات التي تم إنشاؤها منذ عام 2019، والتي قال إنها بلغت عشر مؤسسات، من بينها جامعة نواذيبو، والمعهد العالي للإحصاء، والمعهد العالي للطاقة، والمعهد العالي للرقمنة، ومدرسة المعادن والنفط والغاز، ومدرسة نواكشوط للأعمال، ومدرسة الهندسة المعمارية، فضلا عن كليتي الصيدلة وطب الأسنان والمحظرة الشنقيطية الكبرى.

وأضاف أن جهود توسيع التعليم العالي تشمل أيضا إنشاء مؤسسات جديدة في الداخل، من بينها المدرسة العليا للزراعة في كيهيدي، والمدرسة العليا للبيطرة في النعمة، والمعهد العالي للتربية في تجكجة، والمعهد العالي لإدارة المؤسسات في كيفة، بما يساهم في توزيع مؤسسات التعليم العالي على مختلف مناطق البلاد وتوفير تكوين متخصص خارج العاصمة.

كما تحدث عن افتتاح تسع مدارس للدكتوراه في الجامعات الوطنية بنواكشوط، معتبرا أن هذه الخطوة ستعزز البحث العلمي والتكوين الأكاديمي المتخصص، فيما أسهمت توسعة جامعة نواكشوط العصرية، بحسب المعطيات التي قدمها، في استقبال أكثر من 11 ألف طالب إضافي.

وأكد الرئيس أن إصلاح التعليم لا يزال يتطلب مزيدا من العمل، وأن عددا من الملفات ما زال بحاجة إلى المعالجة، لكنه أشار في الوقت نفسه إلى أن البلاد قطعت أشواطا في مواجهة التحديات وبدأت في ترسيخ مسار تنموي يقوم على الاستثمار في رأس المال البشري.

شنقيط.. ذاكرة علمية ومشروع للمستقبل

وفي مدينة شنقيط، استحضر ولد الشيخ الغزواني المكانة العلمية والتاريخية التي تحتلها المدينة في الذاكرة الموريتانية، معتبرا أن هذه الرمزية تجعل من استعادة الدور العلمي للمدينة والبلاد قضية مرتبطة بالحاضر والمستقبل، وليس بالماضي وحده.

وأكد أن شنقيط ينبغي ألا تبقى مجرد شاهد على تاريخ علمي عريق، بل أن تتحول إلى مصدر إلهام للأجيال الجديدة، داعيا إلى تكثيف الجهود لحماية المدن التاريخية ومكتباتها ومخطوطاتها، والاستفادة من الوسائل والتقنيات الحديثة المستخدمة في صيانة التراث وحفظه.

وقال إن مهرجان مدائن التراث يمثل آلية مهمة لإحياء المدن التاريخية والتعريف بها وتنشيطها، لكنه لا يكفي بمفرده لتحقيق حماية شاملة للموروث الثقافي، داعيا إلى وضع مقاربة أوسع تضمن صيانة التراث وإتاحته للباحثين والزوار، إلى جانب استفادة سكان المدن التاريخية من فرص التنمية الاقتصادية والاجتماعية المرتبطة بها.

وربط الرئيس بين حماية الموروث المادي والحفاظ على البيئة العلمية والفكرية التي أنتجته، مشيرا إلى أن المدن العلمية الموريتانية عرفت تاريخيا بحب المعرفة والتوسع في العلوم وتسخيرها لخدمة المجتمع.

وأضاف أن هذه الروح العلمية شهدت تراجعا خلال العقود الماضية، وهو ما انعكس، بحسب حديثه، على النشاط المعرفي، داعيا إلى استعادة المكانة العلمية التي عرفت بها موريتانيا، ومؤكدا أن العلوم الأصيلة لا تتعارض مع متطلبات المعرفة الحديثة.

التكوين المهني ودور الشباب في الاقتصاد

وفيما يتعلق بالتشغيل، حث الرئيس الشباب الموريتاني على التوجه نحو التكوين واكتساب المهارات المطلوبة في سوق العمل، والانخراط في النشاط الاقتصادي والإنتاجي.

وأشار إلى أن عدد المستفيدين من مؤسسات التكوين التقني والمهني ارتفع من نحو خمسة آلاف سنة 2019 إلى قرابة 23 ألف مستفيد حاليا، معتبرا أن هذا التطور يوفر مسارات جديدة لتأهيل الشباب وربط تكوينهم بالاحتياجات الفعلية للاقتصاد.

وشدد ولد الشيخ الغزواني على أن بناء الاقتصاد الوطني واستغلال الموارد المتاحة يتطلبان الاعتماد بدرجة أساسية على الكفاءات واليد العاملة الوطنية، موضحا أن الاستعانة بالخبرات الأجنبية قد تكون ضرورية في بعض المجالات المتخصصة والبحث العلمي والتأطير، لكنها لا ينبغي أن تتحول إلى اعتماد مستمر على الخارج في المهن والقطاعات التي يمكن للموريتانيين اكتساب مهاراتها.

كما أكد ضرورة التزام العمالة الأجنبية بالقوانين والأنظمة المعمول بها في البلاد، مشيرا إلى أن مساهمتها ينبغي أن تكون داعمة ومكملة للجهد الوطني، لا بديلا عنه.

وختم الرئيس بالتأكيد على أهمية ترسيخ ثقافة العمل والإنتاج لدى الشباب، معتبرا أن العمل يمثل قيمة وشرفا، وأن بناء اقتصاد وطني قوي ومستدام يتطلب توجيه طاقات الأجيال الجديدة نحو التعليم والتكوين والإنتاج.

وخلال اللقاء، قدم عدد من أعضاء الحكومة عروضا حول المشاريع والبرامج التي تم تنفيذها في مقاطعة شنقيط، فيما استعرض عمدة المدينة سيد أحمد ولد حبت أبرز المطالب والاحتياجات المحلية.

وأشاد العمدة، على وجه الخصوص، بإنجاز طريق شنقيط، الذي قال إنه ساهم في فك العزلة عن المدينة وفتح فرص جديدة أمام التنمية والاستثمار وتنشيط القطاع السياحي.

كما تناولت المداخلات مشاريع وبرامج مرتبطة بقطاعات التعليم والصحة والمياه والكهرباء والتنمية الاجتماعية، إضافة إلى عرض جملة من مطالب السكان وأولويات المقاطعة خلال المرحلة المقبلة.

التعليقات مغلقة.

M .. * جميع الحقوق محفوظة لـ موقع أخبار الوطن 0

%d مدونون معجبون بهذه: