مشروع لتنشيط المدن المحلية وتعزيز الخدمات الحضرية

في سياق التوجه الحكومي الرامي إلى بناء تنمية وطنية أكثر توازناً واستدامة، يبرز مشروع دعم اللامركزية وتنمية المدن المتوسطة والمنتجة، المعروف اختصاراً ب:”مدن” بوصفه أحد أهم المسارات العملية لإعادة الاعتبار لدور المدن الداخلية والمحلية في صناعة النمو وتحسين ظروف المواطنين.
فالمشروع، المنفذ بالتعاون مع البنك الدولي، لا ينطلق من فكرة تشييد منشآت محددة أو تنفيذ تدخلات ظرفية؛ بل يقوم على رؤية أوسع تجعل من المدينة الموريتانية فضاءً منتجاً، وقادراً على استيعاب السكان، وتحريك الاقتصاد المحلي، وتقديم خدمات أساسية أكثر جودة وعدالة.

تنمية تنطلق من حاجات المدن

لسنوات طويلة، ساهم تمركز المشاريع والبنى التحتية والخدمات في عدد محدود من المدن في اتساع الفجوة التنموية بين المناطق، وترك مدناً متوسطة وبلديات داخلية تواجه تحديات متراكمة في الطرق والصرف الصحي والكهرباء والخدمات الحضرية.
ومن هنا، يأتي مشروع “مدن” ليؤسس لمقاربة مغايرة: تنمية لا تُفرض من المركز، بل تنطلق من أولويات السكان والبلديات والفاعلين المحليين. إنها مقاربة تجعل احتياجات المدينة هي نقطة البداية، وتجعل القرار التنموي أكثر التصاقاً بالواقع اليومي للمواطن.
وتشمل هذه الأولويات، على وجه الخصوص:

١- إنشاء وتطوير شبكات الصرف الصحي، بما يحد من المخاطر الصحية والبيئية ويحسن المشهد الحضري.

٢- تأهيل الطرق الحضرية والمسارات الرابطة بين الأحياء والقرى والتجمعات السكانية، بما يخفف العزلة ويدعم الحركة التجارية والتنقل اليومي.

٣-مدّ وتوسعة شبكات الكهرباء في المجالات الحضرية والريفية، باعتبار الطاقة شرطاً أساسياً للنشاط الاقتصادي والخدمات العامة وتحسين جودة الحياة.

٤- تعزيز التجهيزات والخدمات المحلية التي تجعل المدن أكثر قدرة على الاستجابة للنمو الديمغرافي والاحتياجات المتزايدة للسكان.

من فك العزلة إلى تنشيط الاقتصاد

الطريق في المدن الداخلية ليس مجرد إسفلت؛ إنه صلة بين المنتج والسوق، وبين التلميذ ومدرسته، وبين المريض والخدمة الصحية، وبين السكان والفرص الاقتصادية. لذلك، فإن فك العزلة عبر شبكات طرق أكثر ملاءمة لا يمثل خدمة عمرانية فحسب، بل يفتح المجال أمام الاندماج الاقتصادي والاجتماعي بين المدن ومحيطها الريفي.
كما أن تحسين الكهرباء والخدمات الحضرية يخلق بيئة أكثر جاذبية للاستثمار المحلي، ويمنح الشباب والنساء وأصحاب المشاريع الصغيرة فرصة أكبر لتطوير أنشطة مدرة للدخل. فكل ورشة حرفية تحتاج إلى طاقة، وكل سوق يحتاج إلى طرق سالكة، وكل مدينة تريد استبقاء سكانها تحتاج إلى خدمات تحفظ الكرامة وتمنح الأمل. يراهن مشروع “مدن” على تحويل المدن المتوسطة والمنتجة من فضاءات تستقبل الضغوط السكانية والخدمية إلى أقطاب حقيقية للتنمية، قادرة على استثمار مواردها البشرية والاقتصادية وموقعها الجغرافي.

بناء المؤسسات لا يقل أهمية عن البناء

لا تكتمل التنمية بالمنشآت وحدها. فالطريق يحتاج إلى صيانة، وشبكة الصرف تحتاج إلى إدارة، والاستثمار العمومي يحتاج إلى تخطيط ومتابعة وشفافية. ولهذا يحتل الدعم المؤسسي موقعاً محورياً في برنامج “مدن”.
ويعمل المشروع على رفع كفاءة الموارد البشرية، وتطوير القدرات الفنية والإدارية للعمال والكوادر المحلية، بما يساعد على تحسين الأداء، وترشيد الموارد، وتعزيز جودة الخدمات المقدمة للمواطنين.
إن الاستثمار في المهارات يعني بناء إدارة محلية أكثر قدرة على تحديد الأولويات، وإعداد المشاريع، ومتابعة تنفيذها، والمحافظة على مكتسباتها. وهو ما يجعل أثر المشروع ممتداً إلى ما بعد مرحلة التمويل والتنفيذ، ويمنح البلديات أدوات حقيقية لإدارة حاضرها والتخطيط لمستقبلها.

مدن أقوى.. ووطن أكثر توازناً

يمثل مشروع “مدن” رهاناً على أن التنمية العادلة تبدأ عندما تصل الخدمة إلى المكان الذي يحتاجها، وعندما تصبح المدن الداخلية جزءاً من القرار التنموي لا مجرد متلقٍّ له.
فبناء طرق سالكة، وتوسيع الكهرباء، وتحسين الصرف الصحي، وتأهيل الكوادر المحلية، ليست مشاريع متفرقة؛ إنها عناصر في رؤية واحدة تستهدف مدينة أكثر حيوية، واقتصاداً محلياً أكثر حركة، وبلديات أكثر قدرة على خدمة مواطنيها.
ومع كل تدخل تنموي ناجح، تتعزز فكرة أساسية: أن موريتانيا المتوازنة لا تُبنى من مركز واحد، بل من مدن قوية ومنتجة ومتصلة ببعضها البعض، مدن تعرف احتياجاتها، وتمتلك الأدوات اللازمة لتحويل تلك الاحتياجات إلى فرص تنمية حقيقية ومستدامة.

التعليقات مغلقة.

M .. * جميع الحقوق محفوظة لـ موقع أخبار الوطن 0

%d مدونون معجبون بهذه: