
السادة القوم.. كان من الأجدر توقيف الداعين إلى مأمورية ثالثة قبل المطالبين بالتظاهر السلمي الذي يكفله الدستور
من المعروف قانونيًا وعرفيًا أن الدول تُحكم بدساتير وقوانين تحصّن النظام الديمقراطي وتضمن التداول السلمي على السلطة، خصوصًا في دول العالم الثالث التي لا تزال تعاني من هشاشة التجربة الديمقراطية، بسبب تمركز الولاءات حول صاحب الكرسي الرئاسي وما يريده، بشكل مباشر أو غير مباشر.
وهذا ما يؤكده القسم الدستوري الذي يؤديه كل رئيس عند توليه مهامه، بالتعهد باحترام الدستور والقوانين والمحافظة على النظام الجمهوري.
وبين هذا وذاك، ومع اقتراب انتهاء المأمورية الثانية والأخيرة دستوريًا للرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، ظهرت أصوات تطالب بتمديد بقائه في السلطة من خلال الدعوة إلى مأمورية ثالثة، وهو ما يثير جدلًا واسعًا حول مدى انسجام هذه الدعوات مع أحكام الدستور.
واللافت أن بعض هذه التصريحات صدرت عن شخصيات داخل السلطة، من بينها وزيرة التجارة والسياحة زينب بنت أحمدناه، التي دعت إلى منح الرئيس مزيدًا من الوقت لمواصلة تنفيذ برنامجه، كما صدرت مواقف مشابهة من شخصيات أخرى في الحكومة.
وفي المقابل، ظهرت أصوات معارضة تدعو إلى تحريك الشارع والمطالبة بتغيير النظام، وكان من أكثر هذه التصريحات حساسية ما نُسب إلى الجنرال المتقاعد لبات ولد معيوف، الذي تحدث عن ضرورة التحرك ضد النظام.
وهنا تبرز المفارقة: تصريحات من داخل معسكر السلطة تدعو إلى استمرار الرئيس لما بعد المأموريتين الدستوريتين، وتصريحات من معارضين تدعو إلى التظاهر والتحرك الشعبي ضد النظام.
وبين الموقفين، هناك فارق قانوني وسياسي مهم؛ فالدستور يكفل للمواطنين حق التظاهر السلمي في إطار القانون، بينما تظل الدعوة إلى تغيير أو تعديل أحكام الدستور خاضعة للقواعد والإجراءات الدستورية والقانونية المنظمة لذلك.
ومن المفارقة، في نظر منتقدين، أن يتم توقيف أشخاص بسبب دعوتهم إلى التظاهر السلمي، في الوقت الذي تتحرك فيه شخصيات سياسية ومسؤولون في الدولة بحرية رغم صدور تصريحات تُفهم منها الدعوة إلى مأمورية ثالثة.
وتطرح هذه القضية أسئلة مشروعة أمام دولة القانون: هل ينبغي التعامل بالمعيار نفسه مع جميع الدعوات السياسية، سواء تعلق الأمر بالدعوة إلى التظاهر السلمي أو بالدعوة إلى تغيير قواعد التداول على السلطة؟
إن احترام الدستور لا ينبغي أن يكون انتقائيًا، كما أن تطبيق القانون يجب أن يكون متساويًا على الجميع، سواء كانوا من المعارضة أو من داخل السلطة.
ومن هنا، فإن هذه التطورات تستدعي ــ في نظر أصحاب هذا الرأي ــ مراجعة الإجراءات المتخذة بحق المطالبين بالتظاهر السلمي، وفي الوقت نفسه إخضاع الدعوات المتعلقة بتغيير أو تجاوز المقتضيات الدستورية للتقييم القانوني نفسه، بعيدًا عن الانتماءات السياسية ومواقع أصحاب التصريحات .
اخبار الوطن
تحرير الصحفي ً آبيه محمد لفضل