حين تبدأ السلطة باختبار حدود الدستور

لم تكن الذكرى السابعة لانتخاب الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني مجرد مناسبة سياسية عابرة بالنسبة إلى أنصاره في الأغلبية. فقد جاءت في لحظة دخلت فيها البلاد عمليًا السنة الثانية من المأمورية الرئاسية الثانية والأخيرة، وفقًا للدستور القائم، وفي وقت كان يفترض أن ينصرف النقاش العام إلى تقييم حصيلة سبع سنوات من الحكم، ومناقشة ما تحقق وما تعثر، وما ينتظر البلاد خلال ما تبقى من المأمورية.

غير أن المناسبة حملت هذه المرة سؤالًا مختلفًا، بعدما عادت إلى الواجهة أصوات تنادي باستمرار الرئيس في الحكم بعد انتهاء مأموريته الحالية. والأكثر إثارة في الأمر أن هذه الدعوات لم تصدر كلها من ناشطين أو أفراد بعيدين عن دوائر القرار، بل صدرت كذلك عن شخصيات سياسية منتخبة ومسؤولين يشغلون مواقع رسمية، وهو ما يمنحها دلالة تتجاوز مجرد التعبير عن رغبات شخصية.

فالحديث عن مأمورية ثالثة بدأ قبل سنوات من موعد الانتخابات المقبلة، وفي وقت لا يزال أمام الرئيس أكثر من ثلاث سنوات من مأموريته الحالية. ولذلك يصبح السؤال مشروعًا: لماذا يبدأ النقاش حول المأمورية الثالثة الآن؟

قد لا يكون السؤال الحقيقي هو ما إذا كان الرئيس يريد البقاء في السلطة أم لا، وإنما ما إذا كانت البيئة السياسية المحيطة به بدأت تختبر قدرة النظام الدستوري على تحمل فكرة التمديد.

الدستور لا يترك المسألة معلقة

النص الدستوري الموريتاني واضح في تحديد مدة المأمورية الرئاسية وعدد مرات تجديدها. فالمادة 26 تحدد مدة المأمورية بخمس سنوات، بينما تنص المادة 28 على أن رئيس الجمهورية لا يمكن إعادة انتخابه إلا مرة واحدة.

ولا تتوقف الحماية عند هذا الحد؛ فالمادة 99 تحيط مبدأ التداول الديمقراطي ومحدودية المأموريات بتحصين دستوري، وتضع هذه المبادئ ضمن الأحكام التي لا تمتد إليها إجراءات المراجعة الدستورية.

وهذا يعني أن الأمر لا يتعلق بمجرد مادة يمكن تعديلها بأغلبية سياسية عابرة، ولا بخلاف قانوني يمكن حسمه بتأويل فضفاض للنصوص.

المسألة تمس واحدة من أهم القواعد التي يقوم عليها النظام الجمهوري: أن الوصول إلى السلطة لا يمنح الحاكم حق إعادة تعريف شروط بقائه فيها.

فالدستور ليس مجرد وثيقة تنظم المؤسسات، بل هو أيضًا أداة لضبط السلطة ومنعها من التحول إلى غاية في ذاتها.

من الرأي السياسي إلى اختبار الحدود

من حق أي مواطن أو سياسي أن يرى أن الرئيس الحالي هو الأفضل لقيادة البلاد، وأن يعتقد أن مشاريعه تحتاج إلى وقت أطول، أو أن الظروف الأمنية والاقتصادية والإقليمية تستدعي استمرار تجربته.

ولا مشكلة في أن تتحول هذه القناعة إلى موقف سياسي معلن.

المشكلة تبدأ عندما تنتقل المسألة من التعبير عن رأي إلى محاولة اختبار قدرة النظام الدستوري على استيعاب هذا الرأي، خصوصًا حين يأتي الاختبار من داخل الأغلبية ومن شخصيات قريبة من مركز القرار.

فالدعوة إلى مأمورية ثالثة، حتى لو لم تكن مدفوعة بتوجيه مباشر من الرئيس، تؤدي عمليًا وظيفة سياسية مهمة: إنها تجعل الفكرة حاضرة في المجال العام، وتدفع المجتمع والنخب إلى مناقشتها، ثم إلى الاعتياد عليها.

وهكذا يمكن لفكرة كانت تبدو غير قابلة للنقاش أن تتحول تدريجيًا إلى «خيار سياسي» مطروح على الطاولة.

وهذه هي المرحلة التي تستحق الحذر.

فالتغيير الدستوري الخطير لا يبدأ بالضرورة بمشروع قانون معلن، وإنما قد يبدأ بتصريح، ثم مبادرة، ثم حملة إعلامية، ثم خطاب عن «الإرادة الشعبية»، ثم اجتهاد قانوني يبحث عن منفذ، قبل أن يصبح تجاوز القاعدة الدستورية أمرًا يمكن الدفاع عنه باعتباره ضرورة وطنية.

هل هي مبادرات فردية أم جس نبض؟

من الصعب الجزم بأن جميع الأصوات الداعية إلى استمرار الرئيس تتحرك بتوجيه منه.

ومن غير المنهجي أيضًا افتراض وجود خطة سياسية مكتملة لمجرد أن بعض المسؤولين أو السياسيين بدأوا الحديث عن المأمورية الثالثة.

فالسياسة تعرف ظاهرة قديمة تتمثل في مبادرة بعض المحيطين بالحاكم إلى استباق موقفه، وإظهار ولائهم من خلال الدفاع عن خيارات لم يطلب منهم تبنيها صراحة.

لكن هذا الاحتمال لا يلغي احتمالًا آخر: أن تكون هذه التصريحات بمثابة جس نبض للبيئة السياسية، وقياسًا لردود فعل الشارع والنخب والمعارضة تجاه الفكرة.

وفي الحالتين، فإن الظاهرة تستحق الانتباه.

لأن السؤال لا يتعلق فقط بمن قال ماذا، وإنما بما تفعله هذه التصريحات بفكرة التداول نفسها.

موقف الرئيس… وما الذي ينقصه؟

سبق للرئيس أن قال إن تعديل الدستور من أجل مأمورية ثالثة ليس أولوية بالنسبة إليه، وإنه لا يرى علاقة بين هذا الأمر والحوار الوطني، مذكرًا بأن أمامه أكثر من ثلاث سنوات من مأموريته.

هذا الموقف مهم، ولا ينبغي تجاهله أو تحريفه.

لكن عبارة «ليست أولوية» تترك، من الناحية السياسية، مساحة أوسع من عبارة أخرى أكثر حسمًا.

فالفارق كبير بين القول إن المأمورية الثالثة ليست مطروحة الآن، وبين القول إن السقف الدستوري الحالي يجب احترامه، وإن الرئيس لن يبادر إلى تغييره أو يدعم أي مسار يؤدي إلى الالتفاف عليه.

وفي قضية بهذه الحساسية، قد يكون الوضوح أكثر فائدة من ترك المسألة في منطقة رمادية.

فالرئيس، بحكم منصبه، ليس مجرد طرف في السجال السياسي؛ إنه أيضًا حامي الدستور وضامن احترامه. ولذلك فإن مسؤوليته تجاه هذا النقاش تتجاوز حدود الموقف الشخصي إلى مسؤولية مؤسساتية وأخلاقية.

هل يمكن الالتفاف على التحصين الدستوري؟

إذا تحولت الدعوات الحالية إلى مشروع سياسي فعلي، فمن المرجح أن يبحث أصحابها عن مدخل قانوني.

وقد يكون المدخل الأول هو تعديل المادة 28 للسماح بمأمورية ثالثة.

غير أن هذا الخيار يصطدم مباشرة بالتحصين الذي وضعه الدستور لمبدأ التداول ومحدودية المأموريات.

وقد يدفع ذلك البعض إلى البحث عن مخارج أخرى، مثل إعادة تفسير النصوص أو الدعوة إلى دستور جديد بدل تعديل الدستور الحالي.

لكن تغيير اسم العملية لا يغير جوهرها.

فإذا كانت النتيجة المقصودة من إعادة كتابة الدستور هي إزالة القيد الذي وضعه الدستور الحالي لمنع بقاء الرئيس في السلطة أكثر من مأموريتين، فإن السؤال سيبقى قائمًا:

هل يجوز استخدام الآليات الدستورية للوصول إلى نتيجة حظر الدستور نفسه الوصول إليها؟

وهنا تظهر أهمية التمييز بين الديمقراطية بوصفها حكم الأغلبية، والديمقراطية الدستورية بوصفها حكم الأغلبية داخل قواعد تحمي المجتمع والمؤسسات من تغول السلطة.

فليس كل ما تستطيع الأغلبية التصويت عليه ديمقراطيًا بالضرورة.

وإلا فإن أي حاكم يمتلك أغلبية سياسية يمكنه أن يعيد صياغة قواعد اللعبة بحيث تصبح الانتخابات وسيلة لتكريس بقائه بدل أن تكون آلية لتداول السلطة.

«الاستقرار» ليس اسمًا آخر لبقاء الأشخاص

من أكثر الحجج التي يمكن أن ترافق الدعوة إلى تمديد المأمورية القول إن البلاد تحتاج إلى استمرار الرئيس من أجل استكمال المشاريع، والحفاظ على الاستقرار، ومواجهة التحديات الإقليمية والأمنية.

قد تبدو هذه الحجة مقنعة للبعض، خصوصًا في منطقة تعيش تحولات عميقة ومخاطر متزايدة.

لكنها تقود إلى سؤال أكثر أهمية:

هل استقرار الدولة مرتبط بشخص الرئيس أم بقوة مؤسساتها؟

إذا كانت المشاريع الوطنية لا يمكن أن تستمر إلا في ظل رئيس بعينه، فإن ذلك لا يمثل دليلًا على قوة النظام، بل يكشف عن هشاشة مؤسساتية.

الدولة التي تبني استقرارها على الأشخاص تظل معرضة للاهتزاز كلما غادر شخص موقعه.

أما الدولة التي تبني استقرارها على المؤسسات، فتستطيع أن تستقبل رئيسًا جديدًا دون أن تشعر بأنها بدأت من الصفر.

الرؤساء يرحلون، والدولة تبقى.

والمشاريع الوطنية ينبغي أن تكون ملكًا للمؤسسات والمجتمع، لا ملكًا لشخص الحاكم.

أما تحويل الإنجازات إلى مبرر لتمديد الحكم، فيفتح الباب أمام منطق لا نهاية له: كل رئيس يستطيع أن يقول إن مشروعه لم يكتمل بعد، وإن البلاد تحتاج إلى سنوات إضافية لإنجازه.

وعندها تصبح نهاية المأمورية مجرد موعد قابل للتأجيل كلما قدمت السلطة مبررًا جديدًا.

المعارضة أمام مسؤولية مختلفة

لا ينبغي للمعارضة أن تنظر إلى هذا النقاش باعتباره مجرد فرصة جديدة لمواجهة الرئيس.

القضية أوسع من ذلك.

الموقف الأكثر قوة ليس أن تقول المعارضة إنها ترفض بقاء الرئيس لأنها تختلف معه، وإنما أن تؤكد أن القاعدة الدستورية يجب أن تنطبق على الرئيس الحالي وعلى كل رئيس سيأتي بعده.

وهنا تكمن قيمة الموقف المبدئي.

فرفض المأمورية الثالثة لا ينبغي أن يكون مرتبطًا بشعبية الرئيس أو تقييم أدائه أو طبيعة العلاقة بينه وبين المعارضة.

إنه رفض لتحويل الاستثناء إلى قاعدة.

ولهذا فإن مسؤولية القوى المعارضة تتمثل، قبل كل شيء، في التنبيه المبكر إلى مخاطر التطبيع مع فكرة تجاوز السقف الدستوري، والعمل على إبقاء النقاش في إطاره الصحيح: هل نريد دولة تحكمها قواعد ثابتة، أم دولة تتغير قواعدها كلما تغيرت مصلحة السلطة؟

الذاكرة السياسية ليست بعيدة

موريتانيا ليست أمام نقاش جديد تمامًا.

فقد عرفت البلاد قبل سنوات نقاشًا حادًا حول المأمورية الثالثة مع اقتراب نهاية المأمورية الثانية للرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز.

ومن ثم فإن عودة القضية إلى الواجهة اليوم تستدعي استحضار تلك التجربة، لا من أجل إسقاط الماضي على الحاضر، وإنما من أجل فهم المخاطر التي يمكن أن تنتج عن فتح الباب أمام الفكرة.

ليس المطلوب تخويف المواطنين، ولا اتهام الرئيس بما لم تثبت عليه قرائن، ولا افتراض أن كل تصريح صادر من أحد أنصاره يمثل موقفًا رسميًا.

المطلوب أبسط من ذلك بكثير:

احترام الدستور.

فالمأمورية لها مدة، والسلطة لها حدود، والرئيس الذي يصل إلى الحكم عبر الدستور يفترض أن يغادره وفق قواعد الدستور نفسه.

الاختبار الحقيقي

يمكن للأغلبية أن تدافع عن حصيلة سبع سنوات من الحكم، ويمكن للمعارضة أن تنتقدها.

يمكن للمواطنين أن يختلفوا حول أداء الرئيس، وأن يختلفوا حول السياسات الاقتصادية والاجتماعية والأمنية، وأن يختلفوا حتى حول ما إذا كانت البلاد بحاجة إلى تغيير أم إلى استمرار.

كل ذلك طبيعي في الحياة السياسية.

لكن هناك شيئًا ينبغي ألا يتحول إلى موضوع للمساومة السياسية: قواعد التداول على السلطة.

ومن هنا فإن أفضل وسيلة لتبديد المخاوف الحالية ليست انتظار تطور الجدل إلى أزمة سياسية، وإنما حسم المسألة بوضوح منذ الآن.

إذا كان الرئيس لا يريد مأمورية ثالثة، فالتأكيد على احترام السقف الدستوري سيكون أكثر وضوحًا من الاكتفاء بالقول إنها ليست أولوية في الوقت الحالي.

وإذا كان الحوار الوطني المرتقب لا علاقة له بتغيير قواعد المأموريات، فإن الإعلان عن ذلك بوضوح سيغلق باب التأويلات.

فالاستقرار الحقيقي لا يعني أن يبقى شخص واحد في السلطة أطول فترة ممكنة، وإنما أن تكون المؤسسات قادرة على ضمان استمرار الدولة مهما تغير الأشخاص.

والدولة القوية ليست التي تخشى اليوم الذي يغادر فيه رئيسها، بل التي تستطيع أن تستقبل رئيسًا جديدًا دون أن تهتز أركانها.

أما الدستور الذي تصبح مواده المحصنة قابلة لإعادة النظر كلما اقتضت الحاجة السياسية، فلن يبقى مرجعية تضبط السلطة، بل سيتحول إلى نص قابل لإعادة تشكيله بحسب ميزان القوى.

وعندها لن تكون القضية قضية مأمورية ثالثة فقط.

ستكون القضية أكبر بكثير:

هل يحكم الدستورُ السلطة، أم تبدأ السلطة في إعادة تشكيل الدستور بما يخدم بقاءها؟

التعليقات مغلقة.

M .. * جميع الحقوق محفوظة لـ موقع أخبار الوطن 0

%d مدونون معجبون بهذه: