هل فشلت بعثات حزب الإنصاف في تسويق فكرة المأمورية الثالثة؟

هل فشلت بعثات حزب الإنصاف في تسويق فكرة المأمورية الثالثة؟

انطلقت، الخميس الماضي، بعثات حزب الإنصاف باتجاه مختلف ولايات الوطن، في مهمة سياسية حملت عنوانًا معلنًا يتمثل في لقاء مناضلي الحزب، والاستماع إلى مشكلاتهم، وتشخيص واقعهم، ورفع مطالبهم وملاحظاتهم إلى الجهات المعنية.

غير أن هذه الجولة السياسية فتحت، في المقابل، نقاشًا أوسع حول طبيعة الرسائل التي حملتها البعثات، ومدى نجاحها في تحقيق الأهداف السياسية غير المعلنة، وفي مقدمتها جسّ نبض الشارع بشأن استمرار الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني في الحكم لفترة رئاسية ثالثة.

ويرى منتقدون أن الحزب ربما لم يوفق في الفصل بين دوره الحزبي وبين مسؤولية الدولة، إذ إن المرافق العمومية والوزارات ومراكز القرار يفترض أن تكون في خدمة جميع المواطنين، بصرف النظر عن انتماءاتهم السياسية، سواء كانوا من مناضلي حزب الإنصاف أو من أنصار المعارضة أو من المواطنين الذين لا ينخرطون في العمل السياسي أصلًا.

فالمواسم السياسية في موريتانيا محددة دستوريًا، من انتخابات رئاسية وتشريعية ومحلية، وعندما يفوز المرشح بالرئاسة يصبح رئيسًا لجميع المواطنين، وتتحول المنافسة الانتخابية إلى جزء من الماضي، فيما يفترض أن يجتمع الجميع حول خدمة الدولة والمجتمع وتحسين ظروف المواطنين.

ومن هذه الزاوية، تبدو مهمة بعثات حزب الإنصاف أكثر تعقيدًا، خصوصًا أن الاستماع إلى المواطنين كشف، بحسب الانطباعات المتداولة من مختلف المحطات، عن حجم كبير من التذمر المرتبط بارتفاع الأسعار وتراجع مستوى بعض الخدمات وصعوبة الظروف المعيشية، وهي ملفات تجعل الحديث عن تمديد الحكم أكثر صعوبة من مجرد تنظيم مهرجانات سياسية أو لقاءات حزبية.

وفي الوقت الذي أبدت فيه بعض المناطق مواقف داعمة للرئيس ولد الشيخ الغزواني، لم يتحول ذلك، وفق هذه القراءة، إلى مطلب شعبي واسع بالمأمورية الثالثة في أغلب الولايات التي زارتها البعثات.

وتبقى ولاية لعصابة ، باعتبارها مسقط رأس الرئيس، حالة ذات خصوصية سياسية واجتماعية، بحكم الروابط المحلية والرمزية التي تجمع سكانها بالرئيس، فضلًا عن الحضور البارز لأبناء الولاية في مؤسسات الدولة والقطاع الاقتصادي ومجالات الأعمال. وهو ما يجعل التعبير عن الدعم السياسي للرئيس فيها أمرًا متوقعًا، ولا يمكن بالضرورة إسقاطه على بقية الولايات بنفس الدرجة.

 

من جهة اخرى في ولاية لعصابة، فقد جاءت المطالب والتعليقات في سياق مختلف، إذ يرى البعض، بسخرية سياسية، أن حجم المطالب كان يستدعي المطالبة بتغيير طبيعة النظام السياسي برمته، بدل الاكتفاء بالحديث عن مأمورية ثالثة، في إشارة إلى حجم التحديات التي تواجه المواطنين وانتظاراتهم من الدولة.

وبعيدًا عن المواقف الحزبية، فإن الرسالة الأبرز التي حملتها جولة البعثات، وفق منتقديها، هي أن المواطن الموريتاني لا ينظر إلى المسألة السياسية بمعزل عن واقعه اليومي؛ فالمواطن الذي يعاني من غلاء الأسعار، وضعف الخدمات، وصعوبة الحصول على بعض الخدمات الأساسية، ستكون أولوياته مختلفة عن مواطن يعيش في ظروف اقتصادية أفضل.

ومن هنا، فإن السؤال الذي تطرحه هذه الجولة ليس فقط: هل نجحت بعثات حزب الإنصاف في الاستماع إلى مناضليه؟ وإنما أيضًا: هل تمكنت من إقناع المواطنين بفكرة المأمورية الثالثة؟

المؤشرات التي ظهرت خلال الجولة، بحسب هذه القراءة السياسية، لا تعطي انطباعًا بوجود إجماع شعبي على هذا الطرح، بل تكشف عن فجوة بين الخطاب السياسي الذي تسعى بعض الأوساط إلى تسويقه، وبين المطالب الاجتماعية والاقتصادية التي تشغل المواطن في حياته اليومية.

وفي النهاية، فإن أي نقاش حول مستقبل الحكم في موريتانيا سيظل مرتبطًا بالواقع الدستوري وبالإرادة الشعبية، فيما تبقى الأولوية بالنسبة لغالبية المواطنين، على ما يبدو، مرتبطة بتحسين مستوى المعيشة، وخفض الأسعار، وتطوير الخدمات، وتعزيز حضور الدولة في حياة المواطن، قبل الدخول في معارك سياسية حول المأموريات والاستحقاقات المقبلة .

أخبار الوطن
تحرير الصحفي ً آبيه محمد لفضل

التعليقات مغلقة.

M .. * جميع الحقوق محفوظة لـ موقع أخبار الوطن 0

%d مدونون معجبون بهذه: