حين يختبئ التشويه خلف عباءة الصحافة: توضيح لا بد منه

إن محاولة تحميل كلام السيدة منت أحمدناه ما لا يحتمل، والذهاب به إلى أنه موجّه إلى الصحافة أو إلى الصحفيين، قراءة مجانبة للصواب، وفيها قدر من الحيف والإجحاف لا يليقان بإنصاف الناس ولا بميزان العقل.

فمنت أحمدناه، وهي بنت أصول وأماجد، لم تكن يوما في موقع خصومة مع الصحافة، ولا في وارد الانتقاص من أهل المهنة، بل إن حديثها كان موجها إلى ظاهرة معروفة ومذمومة في الفضاء العام، هي ظاهرة التشويه الممنهج، والافتراء المنظم، والحملات المدفوعة التي تمارسها حسابات مأجورة أو مجهولة لا تلتزم بأخلاق النقد ولا بضوابط الرأي ولا بمسؤولية الكلمة.

والفرق واضح بين الصحافة بوصفها رسالة نبيلة تقوم على البحث عن الحقيقة وخدمة الرأي العام، وبين الذباب الإلكتروني بوصفه سلوكا منحطا يقوم على السب، والتشويه، والتضليل، وصناعة الأكاذيب. فمن يخلط بين الأمرين يظلم الصحافة قبل أن يظلم منت أحمدناه، لأنه يجعل المهنة الشريفة في خانة لا تليق بها.

ثم إن الكلام لم يتضمن تسمية شخص بعينه، ولا مؤسسة بعينها، ولا فئة مهنية بعينها. وإنما ورد في سياق توصيف علامات وسلوكيات محددة: الافتراء، الإساءة، التشويه، وانعدام المروءة في الخصومة. ومن لم يكن معنيا بهذه العلامات فلا وجه لأن يحمل الكلام على نفسه أو على غيره.

وهنا تحضر دلالة عميقة من كلام العالم الرباني محمد ولد سيدي يحيى، حين قال بمعناه: أنا لا أسمي شخصا، وإنما أسرد علامات وأمارات؛ فمن وجدها في نفسه فذاك شأنه، وهو أدرى بنفسه. وهذه قاعدة منصفة في الفهم والتأويل؛ فذكر الصفات لا يعني اتهام الأشخاص، ووصف السلوك لا يعني استهداف مهنة أو جماعة، ومن حاز لنفسه تلك الأوصاف فهو الذي أدخل نفسه في دائرة الكلام، لا أن المتحدث هو من عناه بالضرورة.

وعلى هذا الأساس، فإن منت أحمدناه لم تسم أحدا، ولم توجه خطابها إلى الصحافة، وإنما وصفت سلوكا مشينا، وحددت علامات لا يختلف العقلاء على ذمها. ومن اختار أن يعتبر نفسه أو غيره داخلا في تلك العلامات، فذلك اختياره وتأويله، ولا يجوز أن يحول سوء الفهم أو سوء القصد إلى اتهام جاهز.

والأصل أن يكون النقاش العام قائما على الإنصاف: من انتقد بأدب فهو صاحب رأي محترم، ومن ناقش بحجة فهو شريك في بناء الرأي العام، ومن مارس مهنة الصحافة بمسؤولية فهو موضع تقدير. أما من اتخذ التشويه مهنة، والسب أسلوبا، والكذب وسيلة، فلا ينبغي أن يختبئ خلف عباءة الصحافة، لأن الصحافة أرفع من ذلك، وأهلها الشرفاء أول من يرفضون هذا الخلط.

لذلك، فإن الإنصاف يقتضي أن يوضع الكلام في سياقه الصحيح: إنه رد على حملات تشويه لا على الصحافة، وتوصيف لسلوك لا استهداف لمهنة، وبيان لعلامات لا تسمية لأشخاص. ومن أراد غير ذلك فقد تعسف في التأويل، وحمّل الكلام ما لا يحتمل. .

التعليقات مغلقة.

M .. * جميع الحقوق محفوظة لـ موقع أخبار الوطن 0

%d مدونون معجبون بهذه: