
جدل في سيلبابي بعد مطالبة بمقابر مسيحية.. ورسالة تثير أسئلة عن واقع الأقليات الدينية في موريتانيا
أثار تداول رسالة موجهة إلى والي ولاية كيدي ماغا، وقعها ثلاثة أشخاص عرّفوا أنفسهم بأنهم “مسيحيون موريتانيون”، جدلاً واسعاً على منصات التواصل الاجتماعي في موريتانيا. الرسالة تطالب بتخصيص مقبرة لمعتنقي الديانة المسيحية في مدينة سيلبابي، عاصمة الولاية، وهو ما أعاد إلى الواجهة نقاشاً حساساً حول واقع الحريات الدينية في البلاد.
ورغم أن الدستور الموريتاني ينص صراحة على أن الإسلام هو الدين الوحيد للدولة والشعب، ويُظهر ذلك في الاسم الرسمي “الجمهورية الإسلامية الموريتانية”، إلا أن الممارسة الفعلية تتيح للأجانب ممارسة شعائرهم الدينية، وتوجد كنائس معروفة في العاصمة نواكشوط وبعض المدن الكبرى.
اجتماع رسمي.. وقراءات متباينة
في خضم هذا الجدل، عقد والي كيدي ماغا، دحمان ولد بيروك، اجتماعاً ضم ممثلين عن هيئة العلماء الموريتانيين ورابطة الأئمة وبعض أئمة القرى المجاورة لسيلبابي. ورغم أن الوكالة الموريتانية للأنباء لم تربط بين الاجتماع والرسالة المتداولة، إلا أن مراقبين رأوا فيه رداً غير مباشر على المطالب المطروحة، خاصة مع الحديث عن “التنسيق والتشاور في القضايا المشتركة” بين السلطات الإدارية والهيئات الدينية.
حادثة دفن تثير أزمة
المطالب الجديدة ليست الأولى من نوعها، إذ تعود جذور القضية إلى حادثة وقعت في سيلبابي قبل أشهر، حين أصر عدد من المسيحيين المحليين على دفن زميل لهم – يعمل حلاقاً – وفق الطقوس المسيحية بعد وفاته في حادث سير. وقد تم دفنه بملابسه في مقبرة المدينة، ما أثار موجة احتجاجات شعبية واسعة، سرعان ما تطورت إلى مظاهرات أمام مباني السلطات، انتهت بنبش القبر وإخراج الجثمان، قبل أن تعيد السلطات دفنه في مكان غير معلن.
تداعيات الحادثة دفعت السلطات الإدارية في الولاية إلى التحرك العاجل، فيما قامت جهات مركزية لاحقاً باتخاذ إجراءات تأديبية بحق مسؤولين محليين، شملت إعفاءات في صفوف القيادات الأمنية والعسكرية.
أرقام غامضة وقلق شعبي
بحسب تقرير صادر عن المنظمة الدولية للاهتمام بالمسيحيين في ديسمبر 2023، يقدر عدد معتنقي المسيحية من الموريتانيين بنحو 1000 شخص، وهي أرقام لم تؤكدها السلطات المحلية. وأشار التقرير إلى اعتقال 14 شخصاً بتهمة “الدعوة للمسيحية”، بعد تداول مقطع فيديو يُظهر طقوس تعميد، وقد أُفرج عنهم لاحقاً.
ورغم عدم صدور تصريحات رسمية توضح تفاصيل تلك الاعتقالات، إلا أن السلطات الموريتانية سبق أن حذّرت من محاولات لنشر أفكار “تمس بوحدة العقيدة” عبر منصات التواصل الاجتماعي.
قضية لا تزال مفتوحة
تجددت المخاوف لدى فئات من المجتمع من أن تكون هذه المطالب مؤشراً على تنامي ظاهرة اعتناق المسيحية بين الموريتانيين، وتحوّلها من حالات فردية إلى مجموعات منظمة تسعى إلى نيل حقوق دينية ومدنية، من ضمنها أماكن دفن خاصة.
وتبقى قضية “المسيحيين الموريتانيين” واحدة من أكثر الملفات حساسية في موريتانيا، بين مقتضيات الدستور الذي يكرّس الإسلام مرجعية حصرية للدولة، وبين واقع اجتماعي يبدو أكثر تعقيداً مما يظهر على السطح