الدّريئة السّياسية بين الدّيكتاتورية الحاكمة والمبدعين

الدّريئة هي ما يختبئ وراءه الصّائد ليخاتل الطّريدة، وهي أيضاً ما نختبئ خلفه لتصدَّ أذى ما عنّا، وعسكرياً ينداح المعنى إلى الهدف الذي نصوب عليه طلقاتنا، وبهذه المعاني استخدمت الدّريئة لحماية النّفس من الأخطار التي تواجهها. ويلجأ إليها البشر عموماً سواء بمعناها المجازي أو الواقعي؛ لذا تختلف أشكالها باختلاف مجال استخدامها لكنّ الهدف منها لا يتغيّر.

المبدعون والنُّظم الحاكمة هم أكثر فئات المجتمع حاجة لاستخدام الدّريئة في حياتهم. يأتي السّينمائيون في الدّرجة الأولى يتبعهم المسرحيون والشّعراء فالصّحفيون والكتّاب عموماً. وأشهر من استخدم عمله “كدريئة” تحميه من غضب السّلطات الدّيكتاتورية المخرج الرّوسي إيزنشتاين.

ايفان الرّهيب رائعة المخرج إيزنشتاين

ولد مخرج هذا الفيلم الرّائع لأب يهودي ألماني وأم أرثوذكسية روسية. وترك الدّيانتين وصار ملحداً ورفيقاً مناضلاً على عكس والده الذي كان مناصراً للبيض انتمى هو “للحمر”. وقد لعب دوراً مهماً في صناعة “المونتاج” وبرع به. هذا الفيلم كان نقطة تحوّل في عالمه الإبداعي كما كان الدّريئة التي أنقذته من الموت رمياً بالرّصاص على يد الدّيكتاتورية الفاشية في الاتحاد السّوفيتي. سبب صناعة هذا الفيلم لم يكن رغبة إيزنشتاين في إخراج فيلم عن روسيا القيصرية وربّما لم يخطر له ذلك قبل أن يستدعيه ستالين ويطلب منه العودة إلى الاتحاد السّوفيتي وكان في رحلة خارج البلاد قام خلالها بصناعة أفلام حازت على إعجاب أساطين الفن السّابع ومنهم شارلي شابلن. لم يستطع إيزنشتاين التّخلف وتجاهل الأوامر رغم علمه بأنّ ستالين وصلته أخبار تتهم المخرج بالتّخلي عن جماليات الواقعية الاشتراكية وهذا معناه أنّ رقبته قد أبيحت للمقصلة. وقد نجا إيزنشتاين من حملة التّطهير السّتالينية بأعجوبة، الأعجوبة كانت إخراجه لفيلم “إيفان الرّهيب” الذي أعجب به ستالين، الفيلم من جزئين 1944 ، 1945 .

وقد حقّق الفيلم نجاحاً عظيماً جعل مخرجه يعيش حياته بأمان وليس هذا فقط بل فاز بجائزتين “جائزة لينين، وجائزة ستالين!”. ويمكننا القول إنّ إيزنشتاين عرف كيف يستغل عبقريته ويتقي غضب السّلطة ويحافظ على حياته كما عرف كيف يقدّم عملاً سينمائياً رائداً من حيث الإخراج والمونتاج.

لم يكن في الفيلم محاباة أو تملق للفاشية السّتالينية لكن براعة الإخراج وإظهار مساوئ الحكم السّابق كانت كافية لإقناع ديكتاتور مثل ستالين بموقف مخرجه الموالي لسياسته. التّاريخ برّأ المخرج من ولائه للفاشية، ولم يبرئ ساحة ستالين من المجازر التي ارتكبها.

دريئة الأنظمة الحاكمة.

وكما يصنع المبدعون دريئتهم، تصنعُ الأنظمةُ الحاكمة دريئتها من المبدعين المعارضين.

عُرِف عن الشّاعر العراقي مظفر النّواب في الثّمانينات من القرن الماضي مواقفه المعادية للأنظمة العربية، مواقف وصفت حينها بالجريئة والسّافرة. لكن وقفة قصيرة مع ما كتبه مظفّر النّواب من شعر سوقي مبتذل _إذا صح تسميته شعراً_ تجعلنا نرى أنّه لم يتوجه في معظم أشعاره إلى نظام معين وكانت أشرطة الكاسيت التي سجّل عليها قصائده بصوته تأتينا _تهريباً_ عبر الحدود وكنّا نتداولها سرّاً إلا أنّ الواقع يشير وبوضوح أنّ مظفر النّواب لم يكن ممنوعاً من دخول سوريا بل جاء إلى حلب في ذلك الوقت وألقى قصائده وصفّق له حتّى أعضاء اللجان الحزبية في الحزب والجامعة مع أنّ مظفّر قال في إحدى قصائده عبارة “ديوس الشّام وهدهده”! قاصداً بها الأسد ونائبه.. استطاع النّظام الحاكم في سوريا احتواء مظفر النّواب؛ لأنّه لم يكن سورياً في المقام الأوّل ولشهرته الواسعة في ذلك الوقت، وهذا ذكاء يحسب للنظام السّوري الذي أطلق النّواب لسانه شاتماً أعراض أمّهاته.

كانت أشعار مظفر النّواب تعادل سجائر الحشيش في ذلك الوقت، قصائد مُخدِّرة تساعد النّاس على الاستمرار في قبول السّلطة والأنظمة ما دمنا نستطيع شتمها بمنتهى البذاءة!

لكنّ ذلك النّظام الذي استطاع احتواء مظفر النّواب وتركه يزور دمشق ويقيم فيها في الزّمن الذي استقبلت فيه دمشق كلّ المعارضين العراقيين لنظام صدّام حسين، تلك السّلطة لم تستطع شراء شاعر آخر وضمّه إلى صفوفها. شاعر سوري كان تأثيره في الشّعب السّوري أكبر بكثير من تأثير مظفر النّواب.

نزار قباني غريب الدّار

كتب نزار الكثير من القصائد التي انتقد فيها الأنظمة العربية، كان شاعراً صاحب موقف حر لكنّهم “حَجّموه” بلقب شاعر المرأة ولاقت أشعاره السّياسية تعتيماً كاملاً. كتب نزار قباني برقي يحسد عليه ودفع ثمن ما كتبه بأن مات غريباً في لندن وباءت محاولة حافظ الأسد لاستمالته للعودة إلى وطنه أثناء وجوده بالمستشفى بالفشل. أنصت الشّعب السّوري يومها إلى الاتّصال الهاتفي الذي بثته إذاعة دمشق.. والذي اعتذر فيه نزار عن العودة ولم يتملّق الرّئيس ولم يخاطبه بكلمة سيدي واكتفى بكلمة شكراً! يحسب لنزار قبّاني هذا الموقف وغيره. مع ذلك تغاضت السّلطة في دمشق عن موقفه وسمحت لجثمانه بالدّخول إلى سوريا حين عاد إليها في كفن كما عاد حاتم علي المخرج الذي أعاد صناعة التّاريخ تلفزيونياً ليقدّم صورة للواقع المعاش يستطيع المشاهد من خلاله التقاط فكرة تكرار الصّراعات السّياسية والتّخاذل والتّسليم والاستسلام وموت الحضارات. نزار وحاتم لم تحتف السّلطة بتشييعهما فكانت لهما جنازة شعبية عبّرت عن مكانتهما في قلوب النّاس.

عمر أميرلاي والصّراع العربي الإسرائيلي

عندما طلبت القناة الثّانية الفرنسية من عمر أميرلاي صناعة فلم يتناول الصّراع العربي الإسرائيلي جاء إلى دمشق وشرح الموضوع للمسؤولين وبواسطة قوية من أحد الضّباط اطّلع على الأرشيف العسكري وانتقى منه ما يلائم فكرة فلمه لكنّه فوجئ بأنّ كلّ الوثائق التي أراد استغلالها في فيلمه ممنوع استخدامها بأوامر عليا فما كان منه إلا أن أتى بالمسرحي المبدع سعد الله ونوس وصوّر معه حواراً معمقاً كان بمنتهى الذّكاء دون أن يجعل من نفسه ومن سعدالله دريئة يختبئ خلفها. ودون أن يمنح النّظام فرصة استغلالهما كدريئة.

يسجّل التّاريخ أسماء هؤلاء ويحاكمهم بنزاهة، ومع أنّ العمل الإبداعي هو الباقي بمعزل عن ظرفه التّاريخي الذي أُنجز فيه، إلاّ أنّ أحداً لن ينسى المواقف الثّابتة أو المتحولة لكلّ مبدع قاوم الظّلم والاستبداد من خلال أعماله.

 

 

ابتسام تريسي

 

 

المصدر : الجزيرة مباشر

التعليقات مغلقة.

M .. * جميع الحقوق محفوظة لـ موقع أخبار الوطن 0

%d مدونون معجبون بهذه: